الاستمناء الفكري

الاستمناء الفكري الإباحية والشذوذ الجنسي في الفن الحديث

عرف الإنسان الفن منذ نعومة أظفار البشرية، ومارس الجنس المشروع بطبيعته البيولوجية الحيوية، ووقع في الجنس غير المشروع مثل الزنى أو الشذوذ الجنسي على نطاق فردي ضيق، فسن القوانين والعقوبات الزاجرة لهذه الأفعال الشنيعة المستقبحة، دينياً وأخلاقياً واجتماعياً. فما المؤاخذات الجديدة التي أسجلها على ما نعيشه اليوم، مما أسميته الاستمناء الفكري أو الإباحية والشذوذ الجنسي في الفن الحديث إذا كان الإنسان قد عرف كل هذا منذ القدم؟

الإنسان والفن

الفن بكل أشكاله جزء ثانوي من جانب ثانوي من حياة الإنسان، الجانب الذي يخصصه الإنسان للهو واللعب والهزل والترويح عن النفس، بعد عناء يوم شاق من العمل، كما يُفترض.

في عصرنا المقلوب على رأسه، أصبح الجانب الثانوي هو الجانب الأساس في حياة البشر، لذا نرى اليوم الشأن الفني والشأن الرياضي هما المسيطران على كثير من مجالات الحياة، السياسة والثقافة والاقتصاد والإعلام.

أصبحت الاهتمامات التافهة للناس هي العناوين الرئيسية في حياتهم اليومية، وأصبح نجوم الفن والرياضة هم القدوات والرموز والمشاهير وضيوف الإعلام والمنابر والفضاء العام، واتخذ الناس شعارات من الولاءات الوهمية يتصارعون حولها، كالفريق الرياضي المفضل، والفنان المفضل، على حساب الولاءات الحقيقية، كالعقيدة والفكر والحق، أو حتى الولاءات الأقرب للمنطق والطبيعة البشرية، كالقبيلة ونمط العيش، مثل البدو والحضر، ونحو ذلك.

وقد عرف الإنسان عبر تاريخه الطويل أشكالاً عديدة من الفنون، فن الرسم والنحت والمسرح والغناء والموسيقى والرقص، ومؤخراً التصوير والتمثيل.

مع تطور الإخراج التلفزيوني والسينمائي في العصر الحديث، دُمج فن الغناء والرقص والتمثيل والتصوير في قالب واحد، على شكل فيلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني، استحوذ على اهتمام الجماهير، في تراجع عكسي لبقية أشكال الفن المنفردة الأخرى.

لذا فحين أذكر الفن الحديث في عنوان هذه المقالة، فالمقصود به هو الفن الشائع في عصرنا، وهو فن التمثيل والغناء، مجتمعين أو منفردين.

كذبة المقولة الشائعة: الفن رسالة

كثيراً ما نقرأ ونسمع هذه المقولة الشائعة في الأوساط الفنية، ومن الرموز الفنية والإعلامية: الفن رسالة عظيمة، أو رسالة نبيلة، ومن هذا الرخيص.

ومن الشائع جداً أن تجد من يقول هذا الكلام الكبير، الراقصة دينا، أو فيفي عبده، بعد وصلة رقص شرقي خليع، أو هيفاء وهبي أو نانسي عجرم بعد أغنية أحيه مثيرة تستعرض فيها مفاتنها المشاعة.

وقس على هؤلاء بقية رموز الفن والطرب العربي، بدءاً من السينما المصرية التافهة، مروراً بالدراما الخليجية البائسة.

الفن في أحسن حالاته تسلية ولهو، يبدأ من المباح وينحدر للمكروه فالمحرم فالإفساد الممنهج، لا رسالة نبيلة ولا بطيخ.

وحتى لو أردنا العدل والموضوعية، وقلنا إن الفن من حيث فكرته قد يكون وسيلة للخير والإصلاح ونشر الوعي، فإن التطبيق المتوفر اليوم لوسيلة الفن هو هذا الفساد الرائج الذي نراه.

وحتى لو وجدت بعض الأعمال الفنية الهادفة، مثل فيلم الرسالة وعمر المختار وبعض المسلسلات التركية مثل مسلسل أرطغرل والمؤسس عثمان، فإنها تكون مثل قطرة في بحر من الفن الرديء السمج على أقل تقدير.

أما لماذا نشر هذه المغالطة وتكريسها في عالمنا الإسلامي والعربي، فهذه قصة طويلة مرتبطة بنظرية المؤامرة العالمية على الإسلام، وأرشح لكم في هذا الخصوص كتاب أنور الجندي، تاريخ الغزو الفكري والتغريب خلال مرحلة ما بين الحربين العالميتين ١٩٢٠- ١٩٤٠.

كذبة الجمهور عايز كده

هذه كذبة أخرى من الكذبات الشائعة في الوسط الفني والإعلام عموماً، لتبرير المستوى الهابط والمنحلّ، في المادة الفنية المقدمة.

والصحيح، أنه لا يوجد جمهور “عايز كده” وليس هناك آلية لقياس ما يطلبه الجمهور، بل الأمر مفروض عليه فرضاً، فيتفاجأ بفيلم أو مسلسل أو برنامج تلفزيوني، يضخ له المادة التي يريدها صاحب المؤسسة الفنية والإعلامية، فلا يعترض كثيراً، ولا يتساءل عما وراء الأكمة، خصوصاً في بلداننا العربية البائسة التي فقد الجمهور فيها السيطرة على دفة السفينة، بل السفينة برمتها، السلطة والثروات والحقوق والاقتصاد والقضاء والإعلام، فهل سيسأل عن مادة فنية تعرض في التلفزيون في رمضان، لماذا تعرض وما أهدافها؟

وإذا كانت معرفة أسرار وخفايا اللعبة الفنية والإعلامية أمر عسير على عموم الجمهور في السنوات الثلاثين والأربعين الماضية، فإننا نرى اليوم بشكل جلي وجود أيدٍ خفية تعبث بعناوين القضايا الشائعة في وسائل التواصل الاجتماعي، مثل هاشتاقات تويتر، بهدف توجيه الجمهور إليها.

ومن ذلك، العمل المؤسسي الجاد والخفي في نشر هاشتاق ترند في تويتر السعودية، لنشر الإباحية أو الشذوذ الجنسي، في يوم الجمعة تحديداً وبشكل دائم وغامض.

وقد تطرق كثيراً لهذا الموضوع المعارض السعودي عمر بن عبد العزيز ورفاقه.

فهل هذا التوجيه القسري السافر للإباحية والشذوذ مما يطلبه الجمهور؟ بالطبع لا، بل القصة هي هي، منذ أيام المجلات والصحف والبرامج التلفزيونية الترفيهية في السنوات الماضية، لكن الناس وقتها لم يكونوا يستطيعون رؤية الأصابع الخفية التي تعبث بالوعي الجمعي.

هوليوود صانعة الفن الحديث

منذ بدايات القرن العشرين برزت سينما هوليوود في فن صناعة الأفلام، وانبثقت منها أكبر وأقدم استوديوهات الأفلام وشركات الإنتاج، واستحوذت لاحقاً على معظمها، وتفوقت على استوديوهات الإنتاج السينمائي والفني في البلدان الأخرى، مثل أوروبا وأستراليا، نتيجة لانبهار أهل تلك البلدان بأسلوب الحياة الأمريكية الفتية المنطلقة المتمردة، فأصبحت هي المرجع الأول في المعايير الفنية في هذا المجال.

ثم تحول الفن السينمائي شيئاً فشيئاً إلى وحش مسعور جشع لا يتوقف عند حد معين، لإثارة التشويق والدهشة والفضول، لاستدرار المزيد من المال، من خلال تناول العديد من القضايا المثيرة للجدل، من باب كسر التابو والتماسّ مع تخوم المقدس والتشغيب في مسائل الإيمان والأخلاق والأعراف.

بعد اختراع التلفزيون والحاسوب ثم العهد الأخير من رقمنة الإنسان المتمثلة في الثورة التقنية والإنترنت، لك أن تتصور حجم القوة الناعمة التي تمتلكها أمريكا اليوم، متمثلة في النمط الثقافي والاجتماعي التي تسوّقه هوليوود، ووسائل الإعلام التي تنشره في الآفاق.

تستحوذ اليوم خمس شركات أمريكية كبرى على ما نسبته 85% من الإنتاج السينمائي في أمريكا، أو قل في العالم، لما أسلفنا من قبضة السينما الأمريكية على سينما العالم، هذه الشركات التي هي عبارة عن تكتلات متعددة وغامضة من الشركاء، تسيطر على أستوديوهات الإنتاج الكبرى الأمريكية المعروفة: والت ديزني بيكتشرز، وارنر برذرز، يونيفرسال بيكشرز، كولومبيا بيكتشرز، باراماونت بيكتشرز.

هذه القوة الثقافية والإعلامية الضخمة لا تعمل بعيداً عن إدارة السلطة السياسية الأمريكية ووكالة استخباراتها CIA، فقد كان غطائها الثقافي في فترة الحرب الباردة، المسمى اللجنة المركزية للحرية الثقافية عبارة عن مغسلة أموال للاستخبارات المركزية، توجه وتمول من خلاله الفعاليات الثقافية المرادة[1].

وليس هذا الربط من نظرية المؤامرة، كما يحلو للبعض اعتباره، بل هو حقيقة اعترف بها الكثير من الكتاب الأمريكيين والأوروبيين وغيرهم.

من ذلك: تريشيا جينكينز، الأستاذة المساعدة في قسم الأفلام والتلفزيون والوسائط الرقمية في جامعة تكساس كريستيان، في كتابها: السي آي إيه في هوليوود. 2013.

فرانسيس ستونور سوندرز، الصحفية البريطانية المرموقة، في كتابها: من الذي دفع للزمار؟ الحرب الباردة الثقافية 1999، ومقالاتها العديدة في هذا السياق، منها مقالتها في صحيفة الإندبندنت البريطانية بعنوان: الفن الحديث كان سلاحاً للمخابرات الأمريكية . وقد كان سلاحاً ضمن ترسانة الحرب الباردة الأمريكية، موجهاً ضد الشيوعية والاتحاد السوفييتي والفن التقليدي في أوروبا، أي ضد كل ما هو غير أمريكي، ولم يكن لأمريكا فن خاص بها.

وقد صرح ذات مرة، روبرت بير، الكاتب والمحلل الأمني في سي إن إن، ورجل المخابرات الأمريكية السابق، ورأس حربة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، أن كل الذين يديرون أستوديوهات هوليوود يذهبون إلى واشنطن، ويجلسون مع أعضاء مجلس الشيوخ، ويتسكعون مع مديري وكالة المخابرات المركزية، وجميعهم على وفاق.

وظهر التعاون بين المؤسستين الاستخباراتية والسينمائية منذ 1996، عندما أعلنت وكالة الاستخبارات أنها أنشأت مكتبا للتنسيق بين الوكالة وعالم الترفيه، وتقديم خبرة المستشارين من عملاء الوكالة لصناع السينما.

الإباحية في الفن الحديث

إذا ثبت أن هوليود لم تكن جهة فنية بريئة تماماً، بل أصبحت تحت الهيمنة والتوجيه السياسي الأمريكي، فإن هذا يترك الباب مفتوحاً لاحتمال أنها ليست محصنة ضد أي توجيه تفرضه قوة أخرى، تعادل أو تتفوق على قوة السياسة الامريكية الرسمية، كالشركات الكبرى، وما تنتجه من ثقافة الاستهلاك الرأسمالية، أو التيارات الفكرية، والأيديولوجيات العابرة للقارات، وجماعات الضغط السرية والعلنية، بل وحتى قوى الشر الخفية، وعلى رأسها الشيطان وخطته القديمة.

هوليوود من البداية لم تكن متقيدة بقيود الفضيلة، وحدود الذوق العام، وثقافة المجتمع المسيحي المحافظ نسبياً، بل إنها كانت تقبل أو تستقطب ممثلي الفن الإباحي المكشوف، المسمى “البورنو” وتصنع منهم أبطالاً في أفلامها، فيصبحون بعد ذلك نجوم شهرة ملتزمين، ورموزاً في المجتمع والسياسة، من هؤلاء على سبيل التمثيل فقط، أصحاب هذه الصور:

حتى أن المجتمع الأمريكي احتج على الانحرافات الأخلاقية التي تصدّرها هوليوود والسينما الأمريكية، بصورة مصادمة لقيم المجتمع المحافظ نسبياً، لذا أصدر في 1930 “قانون إنتاج الأفلام” الذي كان من أبرز بنوده: منع تصوير مشاهد الجنس، حتى لو كانت بالإيحاء أو في صورة الظل، أو بالعبارات، ومنع تناول الانحراف الجنسي بكافة أشكاله، ومنع الإساءة للأديان، وثقافات الشعوب الأخرى، والسخرية بها أو الطقطقة عليها.

لكن صناع السينما ومن يقف وراءهم واصلوا التمرد بهدوء ومخاتلة، حتى شاع القبول الشعبي للمشاهد الممنوعة في قانون إنتاج الأفلام، إلى أن ألغي سنة 1969.

لكن الملاحظ في السنوات الأخيرة ظهور قصد الإباحية في الفن السينمائي بشكل سافر، وكأن ثمة سلطة عليا تطلب من شركات الإنتاج الإكثار من السيناريوهات والمشاهد الإباحية، فإن لم يكن لوجودها مبرر فيجب اختلاقه وحشره في القصة كيفما اتفق.

كما تم رفع مستوى الإباحية في الأعمال الفنية التي وضع لها تصنيف “مناسبة للأطفال” أو القاصرين تحت سن 18.

الشذوذ الجنسي في الفن الحديث

الشذوذ الجنسي من اسمه، وصف لسلوك مصادم للفطرة ومعارض للطبيعة البشرية، وما أودع فيها من قدرات، وما بني على ذلك من نتائج وأعراف وقوانين بشرية بدائية بسيطة، كضرورة الزواج وبناء الأسرة والاجتماع البشري، وما يتعلق بذلك من قوانين وقيم أخلاقية بسيطة، هي أساس معرفة الخطأ والصواب، والمقبول والمرفوض، والفضيلة والرذيلة، وما إلى ذلك.

وقد عرف الإنسان منذ القدم معظم الانحرافات السلوكية إن لم يكن كلها، إلا أنه كان يتعامل معها في الأغلب على أنها انحرافات وشذوذ وأخطاء ونقائص ورذائل وجرائم ومخالفات، وكان من يقترفها يدرك ذلك فيتخفى من الناس، ويجد في ذلك لذة الذنب (أنوي كتابة تدوينة في هذا) وكان الناس يعاقبون من يقترفها، العقوبة المناسبة.

اليوم أصبح الشذوذ الجنسي أسلوب حياة في نطاق الحريات الشخصية، أو هكذا يراد له أن يكون، من خلال الضخ الإعلامي المتواصل والدعاية المستمرة لهذه الأفكار المصادمة للفطرة والطبيعة البشرية.

ويتجلى هذا بشكل واضح في الفن الحديث، الأعمال السينمائية والأغاني المصورة، بطريقة سافرة في تطبيع الشذوذ بشكل شاذ أيضاً، شذوذ في تطبيع الشذوذ، يا له من شذوذ متراكب!

وأقصد بذلك، أن حتى تقديم الشذوذ وإظهاره على أنه سلوك طبيعي، قد يصمم بطريقة ذكية منسجمة مع الموضوع بصورة طبيعية، إلا أن الحاصل أمامنا هو تكديس مستعجل خارج عن نطاق التوجيه الطبيعي، مثال ذلك: فيلم يتمحور حول نخبة استثنائية، عبارة عن خمسة أبطال خارقين، هم الباقون من جنسهم الخالد منذ مئات السنين، وهم أبطال طيبون أخيار، وظيفتهم مساعدة الكون والبشرية، ثم نكتشف في منتصف السيناريو أن اثنين منهم لوطيين (Gays) واثنتين سحاقيات (Lesbians) والخامس سوي (Straight). هذا شذوذ في تقديم الشذوذ.

وكذا كمية الشذوذات في الأعمال السينمائية الأخيرة، مثل مسلسل صراع العروش وغيره، التي تقدم جنس المحارم والسفاح ومضاجعة الجثث والشياطين، ونحو ذلك.

ولا ننسى سيئة الذكر شركة نتفليكس التي كأنها أسست منذ البداية لهذا النهج الشاذ، حتى أنها عندما تفاوضت مع الحكومة السعودية لحذف فيلم ينتقد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، كانت المقايضة على أن يُحذف الفيلم مقابل السماح بعرض أفلام تدعم الشذوذ والانحرافات الجنسية في منصة الشركة في السعودية. هنا يبدو أن الدوافع أكبر بكثير من مجرد التسلية والترفيه في الفن.

وقد اشتكى بعض صناع الأفلام السينمائية العالمية من هذه الشروط والمعايير التي فرضت على الفن فرضاً في السنوات الأخيرة، تحت شعار دعم العدالة الاجتماعية، والصوابية السياسية، وحقوق الأقليات، فلا يفوز في المسابقات والمهرجانات العالمية للأفلام والأعمال السينمائية إلا ما احتوى منها على مادة كافية لدعم المثلية الجنسية والحركة النسوية ونحو ذلك، ولو عن طريق الزج بها زجاً في العمل.

من وراء نشر الإباحية والشذوذ الجنسي؟

ما الذي حدث في السنوات الأخيرة حتى تصبح الشذوذات قواعد، والانحرافات اختلافات، والرذائل حرية شخصية، بهذه الطريقة العصية على الفهم؟ من يحرك هذا التوجه المنحرف، ومن يدعمه بهذه القوة؟ هناك عدة تفسيرات، منها:

اقتراب نهاية العالم

من التفسيرات المطروحة، أن هذا الانحدار العام في الذوق والأخلاق والأحكام، مسار طبيعي، لاقتراب العالم من نهايته المختومة بقيام الساعة.

وهذا تفسير شرعي معتبر، تعضده نصوص وقواعد شرعية وعقلية، مفادها: أن الله تعالى منذ خلق البشرية وهو يرسل منهم إليهم رسلاً وأنبياء، فإذا طال العهد بعد نبي أو رسول، وانحرف الناس عن تعاليمه بعث ب برسول آخر يجدد الدين ويذكّر الناس بما تناسوه من الفضائل ومعايير الخير، ولو لم يكن النبي محمد هو آخر الأنبياء، لكنا اليوم بحاجة إلى نبي يجدد ويذكر، لطول العهد بيننا وبين عصر النبي، ولانحراف البشرية تدريجياً عن تعاليمه.

لكن النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو آخر الأنبياء، ونحن الأمة الأخيرة، ونعيش في آخر الزمان، أي، في زمن البعد عن معايير الدين والأخلاق والفضائل. ولذا جاء في الأحاديث الصحيحة[2]: “لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، ولا ‌تقوم ‌الساعة ‌حتى ‌لا ‌يقال ‌في ‌الأرض: الله الله” وذلك بعد موت الأخيار، واندراس طريق الحق.

استقواء الشر بالعالم الرقمي

هذا أيضاً تفسير معتبر أثاره عندي الصديق الابن آلبرتس، إذ يقول: أن الشرور والرذائل كانت تندس عن الناس في العصر الماضي، لطبيعتها المخجلة، ومع ظهور الإنترنت ووسائل التعبير وتطبيقات التواصل الاجتماعي، أصبح من السهل لصاحب الانحراف أن يعبّر تحت اسم مستعار عن انحرافاته ورذائله وآثامه ونقائصه، مهما كانت مخجلة ومرفوضة اجتماعياً، ومن هنا وجد أهل الشر مساحة لإظهار أنفسهم ومشاركة همومهم وخبراتهم ورغباتهم، صادف أن بعضهم مسؤولون كبار في المجتمع وذوي مناصب وتأثير، فسهّل هذا دعمهم علنياً للانحرافات والشذوذات التي كانوا يخفونها، حتى أصبحت بالتدريج محض اختلافات مقبولة أو متساهل فيها، عبر عملية رقمنة الإنسان المتراخية.

مؤامرة الشر

وهذا أيضاً تفسير معتبر في نظري، لكن من هو الشر هنا؟ لا بد للشر من أدوات ومحركات، فالشر فكرة مجردة لا تعمل وحدها.

رأيي أن أدوات الشر تبدأ من الشيطان مباشرة، الشيطان حقيقة، لا مجرد الفكرة الشائعة عنه، تلك التي تحبسه في مجرد الخواطر السلبية التي توسوس للإنسان أن يتهاون في سنة الفجر، أو تدفعه لقول كلمة جارحة لصديق، أو الظن السيئ في الخادمة أنها زادت ملح الطعام عن قصد.

بل الشيطان المخلوق الخارق الحي الموجود الذي توعد بإضلال الإنسان منذ البداية، قال الله تعالى: (وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ‌ٱلشَّيطَٰنِ إِنَّهُۥ لَكُم عَدُوّ مُّبِينٌ * إِنَّمَا يَأۡمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلفَحشَآءِ) [البقرة: 168-169]،  وهو الآن يستعمل ما توصل إليه الإنسان من ابتكارات واختراعات ووسائل، في مؤامرة كبرى ضد البشرية جمعاء.

وبالتأكيد يأتي بعد ذلك أعوان الشيطان من البشر، بأفكارهم الضالة ونزواتهم الشريرة وشهواتهم الدنيئة، سواء تعاونوا مع الشيطان بدون علمهم، وهذا هو الأغلب، أو بعلمهم، وهذا على نطاق ضيق وخفي خاص بالقادة فقط، ربما سيقف على خباياه من سيتقصى بشكل صحفي احترافي، أعمال وفعاليات وأسرار كنيس الشيطان.

ورأيي أن هذه التفسيرات ليست متعارضة، فيمكن الجمع بينها والقول بأنها صحيحة كلها.


[1] ف. س. سوندرز، من الذي دفع للزمار؟ : ص141.

[2] رواه أحمد ومسلم وغيرهما.

عبدالله السالم
عبدالله السالم
شاعر ناقد مدون من قطر

اترك لي أثرك