أنت بدوي ولّا حضري ؟

البدو والحضر

نحن في قطر مزيج من البدو والحضر ، هذا من حيث الأصول فقط، وإلا فلم يعد البدوي اليوم يشد الرحال خلف الإبل والغنم ويسكن في الصحراء، ولم يعد الحضري يموت من العطش والخوف إذا فارق العمران والإنارة والطرق المأهولة.

هذه كلها ولت مع التقدم الصناعي المعاصر، وستجد البدو والحضر اليوم يعيشون في بيوت متجاورة، متقاربة في التصميم ومزودة بنفس الخدمات الحديثة من كهرباء وماء وهاتف، ويأكلون الطعام نفسه، ولهم نفس اللباس، ويركبون نفس السيارة وأولادهم في مدرسة واحدة، إذن ما الفرق؟

فقط يتحدثون بلكنة مختلفة، ويفضل أحدهم السمك على اللحم أو العكس، وقد يشجع أحدهم نادي الريان والآخر نادي السد.

بالله هل هذه الفروق جوهرية؟

ومع ذلك، فإننا نعيش عنصرية مقيتة، بين البدو والحضر ، وإن أخفيناها خلف العبارات المدنية، والشعارات المسكنة.

هذه العنصرية لو توقفت عند التفضيلات الفردية، كأن يفضل البدوي متابعة سباق الخيل والهجن فيما يفضل الحضري سباق الدراجات والزوارق، لكان الأمر أهون، ولن يتعدى كونه محض اختلاف تنوع.

لو بقي الأمر عند الخلاف حول نوعية إكرام الضيف هل هو بذبح خروف أم بدعوة الضيف على بوفيه مفتوح في مطعم، أو حول قضاء إجازة الربيع، هل الأفضل السفر لجنوب أفريقيا أم التخييم شمال النعيرية؟

لو توقف الأمر هنا ما كنت سأتوقف عنده طويلا.

لكن الأمر أكبر من ذلك، لقد تغلغلت فينا العنصرية حتى أفسدت روحنا الوطنية، وعطلت مصالحنا العامة، وعبثت بقضايانا الاجتماعية المصيرية.

هذه العنصرية تسببت طويلا في تخلفنا الحضاري، وما زالت تعرقل مسيرتنا نحو التقدم والتطور الاجتماعي والسياسي الداخلي والاقتصادي وغير ذلك.

تجد في الدائرة الواحدة – وزارة، هيئة، مؤسسة – تكتلات مبنية على هذا الفرق  ” بدوي ولاّ حضري ” ، هذه التكتلات تتسبب في ظلم الموظف بتجميده أو تهميشه أو تنحيِته، وذلك حين يكون الموظف من الأصل البدوي فيما رئيسه أو مديره أو زملاؤه من الحضر، أوالعكس.
يظل هذا المختلف عنا محارَبا مقصيا منبوذا، ونطبق عليه مقولة جان بول سارتر: الآخرون هم الجحيم.

فيما هو ابن جلدتنا وبلدنا وديننا ويشترك معنا في الهم الوطني نفسه.
نسمع كثيرا وبتكرار مرير أن رئيس القسم الفلاني في الوزارة الفلانية نقل من قسمه الحيوي إلى قسم ثانوي، يشل حركته وترقّيه الاجتماعي والوظيفي.

نسمع أن المدير الفلاني والضابط الفلاني أحيل للتقاعد المبكر بلا أسباب واضحة.

نسمع أن المسؤول الفلاني استبعد فلان من الناس عند طلب الوظيفة وقدم شخصا آخر أقل كفاءة وأهلية.

كل ذلك فقط لأن الرئيس والمرؤوس من فصيلتين مختلفتين، البدو والحضر .
وحتى الأدب والشعر لم يسلم من هذه العنصرية، سواء في إبراز المبدعين وإظهارهم بما يليق بهم أو حتى في المادة الأدبية المطروحة التي تثير النعرات وتعزف كثيرا على مسألة البدو والحضر .

غير ذلك من إطلاق النكات والسخرية اللاذعة بين الفصيلين، والتي تتعدى مسألة المزاح البريء، كأن يتخذ مجموعة من الزملاء أحد زملائهم مدعاة للسخرية والتجريح، لدرجة أن يفقد الطمأنينة في مقر العمل، والحماس والانتماء لعمله.

ولن تجد إلا الجهلاء والمجوفين يهتمون بمثل هذه النعرات والفروقات، ويتداولون الولاءات والتحالفات على ضوءها.

أما أصحاب الوعي والعلم والعقل فيتعاملون مع الإنسان من حيث كونه إنسان أولا، ولما يقدم وينتج ثانيا، بغض النظر عن أصله ولونه وتفضيلاته الشخصية، وهذه إحدى القيم الإنسانية السامية التي علمناها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ” لا فرق بين عربي ولا عجمي ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى”.

وأنا لا أطالب الناس أن يكونوا كأبناء أب واحد وعلى مشرب واحد، فالعربي لا يفضل العجمي حين يكون الموضوع عن الأدب العربي واللغة العربية مثلا، والبدوي لن يختار الحضري حين يكون الموضوع رحلة قنص في الصحراء، ولكن حين يكون الموضوع خدمة مصالح المجتمع الواحد في قطر واحد، فلماذا هذه التحزبات المبنية على أوصاف لا شأن لها بالهدف؟

هل الحضري متهم في جديته لتحقيق مطالب المواطنين عموما واحتياجاتهم، وأهله وأسرته وعشيرته يسكنون هذا الوطن؟

أم البدوي متهم في إخلاصه لحماية الوطن من الأعداء، وأهله وأسرته وعشيرته يسكنون هذا الوطن؟

أنهم من حيث المبدأ سواء، وكلهم في الأصل أكفاء مخولون لتقلد المهام والوظائف التي تخدم الوطن والمواطنين، كلهم بدو وحضر.

لذا أدعو أولئك المصابين بداء العنصرية والعصبية المقيتة إلى تطهير عقولهم من هذه المخلفات الجاهلية، والنظر إلى الآخر المختلف عنا بحسن ظن وسلامة طوية، ومنحه الفرصة لإثبات جدارته فيما أوكل إليه، ثم معاملته بالعدل والحق، وبعد ذلك ليس من الواجب الأكل معه من صحن واحد.

عبدالله السالم
عبدالله السالم
شاعر ناقد مدون من قطر

5 تعليقات

  1. يقول مسعود السيد:

    الإستعلاء وحب التميز شيء طبيعي في الإنسان ومهما حاولنا محو ما نسميه العنصرية بين البشر فلن نفلح أبدا .وكما نلاحظ في العالم الغربي المتحضر. رغم أن الحكومات أصدرت قوانين فعالة ونافدة بقوة القانون. إلا أن المواطن العادي يعبر ولو بنظارته عن عنصريته ومقته لغيره من مواطنيه قبل الأجانب

  2. يقول عبدالله:

    نعم يا مسعود هو الاستعلاء وحب التفرد .

  3. يقول خليفة هزاع:

    كيف حالك، يا عبد الله؟
    للأسف يبدو أن الدولة ستشعل نار النزعة العنصرية باتّخاذها الجوازات المتدرجة.
    وهذا خبر وصلني من مصدر أثق به تمام الثقة.

  4. يقول عبدالله:

    أهلا يا خليفة
    فعلا لا أدري عن هذه المسألة ، ولا حتى وقعها على الناس ، بل لم أتصور بعد الفائدة المرجوة من تصنيف الناس في الجنسية بناء على معايير متغيرة .
    تحياتي لك ، واستعد لصلالة أخرى : ) .

  5. يقول روضه:

    مرحباا

    نعم استاذ عبدالله ماهو الفرق بين الحضر والبدو؟

    انا يزعجني ذا السوال انت حضري ولا بدوي اقول اللي يسال وش تقصد؟؟

    نعم عنصريه

    صرنا مثل عنصرية السود والبيض في امريكاا

    وقال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم

    (( لا فرق بين عربي أو أعجمي إلا بالتقوى ))

اترك لي أثرك