السلطة الرابعة في السعودية الرابعة

السلطة الرابعة في السعودية الرابعة

عمل: عجلان غارم

السعودية الرابعة والإعلام

الإعلام الغربي الضخم بمحطاته ومواقعه ومكتباته وإصداراته، الإعلام المتقدم المطلق في فضاء الحرية الإعلامية يسير بخطى ثابتة نحو تضليل أفراده وتدجينهم قدر المستطاع بتخدير بارع أخبر عنه هربرت شيللر بمنطقية جادة في كتابه الصادر 1973م “المتلاعبون بالعقول”.

الكاتب ليس دخيلاً على هذا المجال بل هو أستاذ وسائل الاتصال في جامعة كاليفورنيا.

ذكر هربرت شيللر الأركان الخمسة أو ما سماها “الأساطير الخمس” التي يظن أن صانع الوعي الأمريكي يعتمد عليها في تحييد وعي الكتلة الحرجة داخل أمته بدون قمعٍ خشن مباشر بل بسلاسة ونعومة في التطبيق.

هذه العملية معقدة و طويلة بالفعل لكنها تحقق الأهداف بعمق يتجذر حتى يصبح ثقافة بل يصبح هو صورة المنطق ذاته ويكوّن جيلاً مقتنعا لا معارضا ً يسهِّل بثقافته هذه العمل على الأجيال من بعده.

العجيب أن هذا التكيف الذي ذكره هربرت شيللر ليس هدفاً في حالة خفاء عن الأمة الأمريكية، بل بمعرفة أفرادها، لكن لكونه ناعماً جداً ومسالماً في كل جوانبه ماعدا الأهداف فيعتد أمامه الفرد بثقته بوعيه في مواجهة ذلك الطوفان، ويثق بأنه يمتلك فطنة أتاحت له الاطلاع على هذه السلسلة من الأهداف الإعلامية الممنهجة فيعيش دور المتفرج السلبي “المحيّد” أو المتشرب بصمت لذلك الخطاب.

الأساطير الخمس عند هربرت شيللر وعندنا

هربرت شيللر
هربرت شيللر

أرجع الدكتور هربرت شيللر عناصر أي أداء إعلامي إلى خمس ركائز، أسماها الأساطير الخمس وهي:

1-  الفردانية: تفكيك جميع الروابط حول الفرد وإقناعه بنمط حياة متسيب متخلخل يكون المرشد والرفيق فيه هو الموجات التي يتعرض لها بعيداً عن المحيط والعائلة لصناعة وعيه والتحكم بعوامل التأثير والضغط من حوله، وهذا ما نراه جلياً في رسائل محتوى الإعلام الممول سعودياً المصنوع بنفسٍ لا يتناسب والطبيعة الاجتماعية الأصيلة للمتلقي.

2- تحييد وسائل الإعلام: تحييد وسائل الإعلام هنا لا يقصد به حيادها وموضوعيتها بالمعنى المشاع، بل ذكر هربرت شيللر أن وسائل الإعلام على تعددها وكثرة منصاتها تلزم خط الترفيه وصناعة مشاريع تسلية عملاقة تختزل وقتك على الشاشة في أتون دقائقها وساعاتها المغرية، فيتم تحييدها عن الواقع وإن اضطرت للإخلال بمعايير خدماتها.

أما الإخبارية منها فتكون محيدة عن الحقائق المجردة ومسلّطة بما يخدم توجهات السلطات باستخدام الحقائق المجتزأة أو الموجهة، مع القضم يمنة ويسرة من أطراف السلطة ذات القصور الجلي، وكشف بعض الملابسات الغامضة، والتراشق مع شخصياتٍ نافذة في النظام الحاكم، وإظهار الخلافات الداخلية والدعاوى الإصلاحية بسطحية نمطية كل هذا في حدود محددة مسبقاً، بغرض إقناعك أيها المشاهد أن هذا كل ما يجري نقلناه لك، وعليك ألا تظن أن خلفه المزيد.

وتسعى لتدفعك دفعاً للاعتقاد بتصارع الأقطاب وعليك أن تبقى بعيداً عن هذا لتبقى فرداً يحمل أفكاره وحده، وتترك كل ما يجري فوق السطح وتحته حتى لو كنت توقن بفاعليتك، لكن عليك تحييد نشاطك والاكتفاء بالاطلاع السلبي، وأن هذا هو سبيل السلامة و الصواب، فأمامك إعلام يكفيك و يدعي الحياد.

3- تعزيز الوضع الراهن وطبيعية الأوضاع: حتى لا تسعى أيها البسيط للعمل على تغييرات للنظام الموضوع والمركب تركيباً يختزل ثروات البلاد و توجهاتها في يد بضعة آلاف من الناس، وتقتنع يا حضرة المشاهد بأن هذا واقعٌ في تركيب المجتمع و طبيعته، ولا شيء من هذا مقصود، فتقتنع بأنك جزء من منظومة مجتمعية يجري ما يجري فيها بوضوح و طبيعية تامة، بل إن حالك أفضل من البلاد القابعة تحت الديكتاتورية المباشرة فلا حاجة للكشف عن تخديم الكتلة الصعبة و ربط مصيرها بقطاعات مؤسسية تنتفع من جهودها وتستنزف ولائها ووعيها.

4-  قياس الرأي و صناعته: ذكر هربرت شيللر أمثلة موثقة عرفت على مدار تاريخ الرئاسة الأمريكية و مؤسساتها الموكلة بذلك، وهذا ما يعادله في واقعنا استخدام الحكومة في السعودية الرابعة بالتحديد لموقع تويتر ولمشاهير الإعلام الجديد في صناعة وعي هي رسمته وتفرضه، وفي ذات الآن تروّج بصفاقة لواقعيته وقبوله لدى ١٠١٪؜ من المجتمع.

 5- وفرة وسائل الإعلام: في هذه الخرافة ذكر أن إتاحة عدد خيالي من المحطات والمطبوعات والإذاعات خيار ذكي، فيتراءى لك أن بلادك بلغت قمة الحرية ولن ينافسها في ذلك كيان آخر، فيما الحقيقة أن توفير هذا العدد تشويش على واقع أن محتوى هذه المنصات سيكون غثاً أو محدداً وسيكون أغلبها ترفيهياً فيما الإخباري والوثائقي منها فموّجه بحياكة لا تمس وجه الواقع فيها بل تدس فيه ما تريد، فالكثرة ليست مقياساً حقيقياً لحرية هذا الإعلام بل عامل هدم له.

ننتهي من هذه الخرافات المفترضة التي وشوش لنا بها هربرت شيللر قبل قرابة خمسين سنة، مع الأخذ بعين الاعتبار أننا مطبقون مثابرون للمدارس الغربية.

السلطة الرابعة والتطبيع

يصل بنا سيل هذه الأفكار إلى القطرة التي أفاضت الكأس ألا وهي الأعمال الدرامية والسينمائية -الموعودة- تلك الأعمال التي تطرح قصص اليهود في ديارنا بقالبٍ إنسانيٍ تاريخيٍ بريء الجناب من دوافع التطبيع والتوجيه السياسي المُستنزف لثائرة العربي المناهض لبقاء دولة الاحتلال.

يستمر هذا الاستنزاف حتى نصل به وبمساعيه إلى الحد الأدنى الأقبح من التطبيع ألا وهو قُطْرِية العداء لهذا المحتل فيصبح هذا العربي مسيراً ركاب الكلمات مفاخراً ببيوت الأشعار أن حاكمه لم يصافح صهيونياً أو أن قبيلته لم تُخرج صعلوكاً يتحدث بسفاهة عن التطبيع.

حسناً، وماذا عن بقية العرب والمسلمين؟ فيكون رده عاجزاً كحيلته بأنه لا يهتم لتطبيعهم من عدمه ولا يستنكره عليهم.

لن أخوض في التفاصيل الفنية التي يتضح منها الاستعجال الذي لف تكوين هذا العمل ولن أقترب من الحبكة الدرامية المكشوفة والموجهة بحمقٍ محموم، لأن كل هذا ظاهرٌ جلي، لكني سأقف عند دور الفرد فينا أمام هذه السلسلة التطبيعية الصارخة.

كيف تجابه التطبيع الإعلامي

•      ستتجنب المتابعة ولو من باب الفضول، فالمقاطع المجزأة ستصلك والقصة لا جاذبية فيها سوى الصورة العامة المعلنة و تمرير فكرة التعايش.

•     بمجرد أن تصادف ثوانٍ منشورة من هذا العمل، احرص على إرفاق صورة أو مقطع توثيقي للجرائم الممتدة منذ ٧٧ عاماً، وهناك حسابات ومدونات ومواقع توثيقية تفيدك بذلك، منها على سبيل المثال لا الحصر: منصات الحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر، والمؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد).

•      تحدث في كل مساحة متاحة عن فوضوية دعوى التطبيع وتشتيتها للجموع وتفريقها للصف وعبثيتها.

•      قارع الفكرة من أساسها ووضح استحالتها لأننا أمام كيان توسعي يلتهم كل ما تتيحه له الفرص من ثروات البر والبحر ومساحاتٍ مفتوحة في الجو، وأنه كيان مضر حتى بالأمة الأمريكية الراعية له ومستحوذ قذر على شركات التسليح في نقاط الضعف في قطرنا العربي على الأقل، هذا الاستحواذ كوّنه عبر السنين بشبكاتٍ معقدة من التجارة.

•      أخيراً بل وأهم من كل ما سبق أبقِ الوعي حياً في محيطك، ونحن في هذا التوقيت الحرج الذي فرض علينا قضاء كل اليوم في المنزل، لا تستهن بضغطة زر تصل عيون عائلتك بمقطع أرشيفي من بضعة دقائق يعرف ببشاعة المحتل التي لا تنتهي ولم تتوقف يوماً.

المقالة بقلم: كاتب سعودي طلب نشرها.

عبدالله السالم
عبدالله السالم
شاعر ناقد مدون من قطر

اترك لي أثرك