التمزق العربي

التمزق العربي

التمزق العربي , فساد الحكومات , القضية الفلسطينية , قناة الجزيرة , سياسة

أنت طبيب، وجاءك أحد المرضى ليعالج جرحا مفتوحا ينزف منذ ساعتين، حسناً، الأمر في متناول اليد، ستخيط له الجرح وليذهب إلى المنزل والسلام، وليذهب التمزق العربي وعبدالله السالم إلى المنزل أيضاً، ما شأنه بعيادتي ومرضاي؟

لكن تمهل، الرجل قبل ذلك مصاب بمرض السكري ويتناول إبر إنسولين كل يوم، ولديه هبوط وصعود في الضغط  ولديه حمية وأدوية تضبط معيار ضغط الدم، وقد ورث من خاله مرض الصرع ويتناول أقراص يومية لمدة ثلاث سنين، ويعاني من حساسية جلدية ربما هي الأكزيما يداوم لأجلها على مستحضر الكرتوزون الفتاك على طول الأمد كما يحذر الأطباء، ومعه قليلا مشاكل في القلب وقليلا في الكلية، وضعف في جهاز المناعة،  كما أنه مدخن شره، ومن عاداته السيئة تناول البنادول في كل حين، ومشاكل أخرى.

سيكون هذا الجرح بوابته إلى العذاب، وهذا تقريبا نفس حالة التمزق العربي الذي ينخر في جسد الأمة.

التمزق العربي بسبب فساد الحكومات

يشكو الشعب من فساد الحكومة في مصر وتونس، وبقدرة قادرة ينجح في استئصال الورم السرطاني، لكن يكتشف أن المرض قد اكتسح بقية الأعضاء الحيوية، الأمن والقانون والإعلام والتعليم والأدب والفن، وإلى الآن يصلح الشعب ما أفسدت الحكومة والدهر، وإلى الآن عاجز عن بلوغ أهدافه البسيطة.

لا أعين على التخاذل والاستسلام لكني أعرف جيدا أني لن أجني الثمار الناضجة لهذه التضحيات التي تحدث في البلدان العربية، لا أنا ولا  أولادي ربما، ليهنأ أحفادي بها أو أحفادهم أيضا.

بلغنا من الفساد والتخبط درجة لا يمكننا الإصلاح في يوم وليلة ولا سنة ولا عشر ولا عشرين، وأسوأ الفساد وأكثره عتوا ذاك الذي يستشري في التفاصيل الدقيقة ليصيب الأفراد كل واحد منفردا.

التمزق العربي بسبب ضياع الهوية

تجد الفرد مسخا لا يدري هل هو متدين أم ملحد؟  مسلم أم مسيحي أم علماني؟ سني أم شيعي أم درزي؟ حنبلي أم شافعي أم حنفي أم مالكي؟ محافظ أم انفتاحي؟ راديكالي أم ليبرالي؟ سلفي أم عصري؟ بدوي أم حضري؟ قطري أم سعودي أم فلسطيني أم مصري؟ برشلوني أم مدريدي؟ حداثي أم كلاسيكي؟ وهكذا تتوالد التصنيفات.

ويتناقض الفرد في يومه آلاف المرات بين الحب والأسرة، بين الحلال والحرام، بين الفردي والاجتماعي.

وشرائح المجتمع تتناحر في اليوم آلاف المرات بين العنصر والعنصر، بين القبيلة والقبيلة، بين الفلاحين والرعاة والتجار، بين الرجل والمرأة.

والبلدان العربية تتناحر بين الحدود والحدود، بين النفط والمقومات المعنوية، بين الحظوة العالمية والحفاظ على الهوية.
والأخلاق تتناحر بين الوجودي والموروث، بين السمو والدناءة، بين العرف وإعادة التواضع، بين المادة والروح.

ولا يقول لي أحد أن هذه تفريعات يمكن استيعابها تحت راية واحدة، لقد رأيت وتأكدت أنها اختلافات جوهرية أنتجها التمزق العربي تصل إلى حد الإقصاء والتخوين والقتل، وإن كان أكثرها في الأساس من الولاءات الوهمية.

التمزق العربي يسبب طوفان العولمة

مع هذه الوفرة في معطيات التمزق العربي يتفق كل البشر اليوم في قضايا أخرى، من أشدها بروزا أهمية المادة مقابل الروح، الثمن أمام القيمة.

هذا الاتفاق يكون صريحاً ومبرراً في رأسمالية العالم غير الإسلامي، لكنه يكون خفيا وصامتا في العالم الإسلامي الذي يخجل من الاعتراف بطغيان المادة والمال والحس والجنس والشكل لأن ذلك لا ينسجم مع القيم الإسلامية والعربية التي ترتكز على المبادئ والأخلاق والإيمان بالحساب في الآخرة.

لذا نسرق على استحياء المعاني السامية في الوجدان الجماعي ونوظفها في الواقع لنتكسب بها.

لا تتعجب إن ظهرت لك في السوق شركة البنيان المرصوص للمقاولات، وكافتيريا كلوا واشربوا، ومطعم الأتقياء، وفندق بسم الله ونحو ذلك.

ذات مرة قابلت شخصية سياسية فلسطينية تعتبر من الشخصيات المؤثرة في قيادات حركة فتح، ربما الشخصية الثالثة أو الثانية في التأثير واتخاذ القرار.

بمعنى أنه في قمة الهرم مع اثنين أو ثلاثة، هرم النضال والقضية والتفاني في خدمتها، لكن أخبركم هنا أنه لم يكن متأثرا كثيرا بصلاح الدين الأيوبي ولا عمر المختار ولا أسامة بن لادن ولا صدام حسين ولا جيفارا ولا مانديلا ولا مهيار الدمشقي ولا حتى الشاب حسني.

وكان يتحدث عن منافسيه الحمساويين وكأنهم الأعداء الوحيدون في العالم.

وكان يهتم بالاندماج في العالم الحديث عن طريق استعمال قوانينه وأفكاره وماديته، باختصار كان عصريا لا تميز بينه وبين التاجر والرياضي والإعلامي والمحلل السياسي وأب الأسرة في عصرنا.

التغيير في مجتمعنا الداجن يحتاج إلى تطرف.

قلة الوعي تغذي التمزق

تعال واطرح موضوعا للنقاش بين مجموعة من الأصدقاء، ستلاحظ ما يلي:

* الافتقار إلى أساسيات الحوار مثل الاتفاق على أرضية مشتركة للنقاش ومن ثم طرق الفروع المختلف فيها، ومثل حسن الاستماع وإتاحة الفرصة، ومثل الاستدلال والتوثيق.

* الإسقاطات الخاصة على العناوين العامة، فالمتدين يصطحب الدين والتاجر يصطحب الاقتصاد والمنتفع يصطحب مصلحته وهكذا.

* انقسام الأصدقاء إلى فريقين فأكثر إن لم يكن كل شخص فريقا مستقلا.

* الكل مستعد للفتيا والتنظير، مؤهلين كانوا أم غير مؤهلين.

* إطلاق التصنيفات العامة كما في أعلاه، أنت ترجع في رؤيتك للنصوص الدينية فأنت إسلامي أو وهابي أو رجعي أو ديني، أنت تعترف بقوة أمريكا فأنت عميل أو متضعضع أو مخترق ثقافيا وهكذا.

* ربما نتيجة لهذا النقاش يتم رسم دوائر التقاء وافتراق حقيقية بين الأصدقاء.
* ضياع الوقت والإصابة بالصداع والخروج من النقاش بخفي حنين والكثير من التفال المتطاير.

جرب وافعل هذا بين أصدقائك وتناول مواضيع مثل قناة الجزيرة وأسامة بن لادن والثورات العربية  والسياسة القطرية الحديثة وغياب الخلافة والقضية الفلسطينية، بل ونانسي عجرم وكريستيان رونالدو وطبق السوتشي.

غياب الراية الواحدة

لذا أتساءل كثيرا كيف نصلح أوضاعنا السياسية الواسعة والاجتماعية المتوارثة، والواحد منا لم يتصالح بعد مع نفسه، التصالح مرحلة ابتدائية تأتي قبل الإصلاح.

ساد المسلمون العالم حين كانت لديهم الأرضية المشتركة الواحدة، المنطلق الديني العقائدي الموحد.

ساد الألمان العالم أو كادوا أن يفعلوا حين كانت لديهم الأرضية المشتركة الواحدة، طلب الانتقام والشعور بالقوة.

ساد الأمريكان العالم حين كانت لديهم الأرضية المشتركة الواحدة، الصناعة والحرية والشعور بالقوة أيضاً.

فما أرضيتنا المشتركة الواحدة كي نسود أي شيء؟ حتى لو قطعة جغرافية صغيرة في خارطة العالم، مثل البحرين، قطر، الكويت، فلسطين.. إلخ.

من يجيبني؟

عبدالله السالم
عبدالله السالم
شاعر ناقد مدون من قطر

6 تعليقات

  1. يقول مفــاهيم:

    ذكرتني بمنتدى الاسهم القطرية ومنتدى الحوار العام، لما اناقش مع الأعضاء الأوضاع المتردية للمواطن وننتقد الوزراء او القادة او المسؤولين او السياسة العامة او غيرها ، فانك تتهم “بالخيانة للوطن” ويتم طردك!!

    فما هو الهدف من فتح منتدى الحوار العام في حالة عدم ايماننا بحريةالراي ومبادىء الحوار.

    وهذا ما يدل عليه حديثك “لذا أتساءل كثيرا كيف نصلح أوضاعنا السياسية الواسعة والاجتماعية المتوارثة ، والواحد منا لم يتصالح بعد مع نفسه ، التصالح مرحلة بدائية تأتي قبل الإصلاح . ساد العرب العالم حين كانت لديهم الأرضية المشتركة الواحدة ، المنطلق الديني العقائدي الموحد ، ساد الألمان العالم أو كادوا أن يفعلوا حين كانت لديهم الأرضية المشتركة الواحدة ، الانتقام والشعور بالقوة ، ساد الأمريكان العالم حين كانت لديهم الأرضية المشتركة الواحدة ، الصناعة والحرية والشعور بالقوة أيضاً ”

    استاذي الأرضية المشتركه لدينا كانها عشم ابليس في الجنة” ارادة الله”

    تقبل تحياتي واعجابي

  2. يقول حسن الحايكي:

    صحيح كلامك ، التصالح مع الذات هي اول خطوه للبدء في انشاء نقاش هادف

    لكن أوقات أقول معذورين الشباب أو اي شريحه من المجتمع ، لأن الدوله ما أسست المجتمع على النقاش والبحث والتقصي والمجادله الهادئه الهادفه ، وبنفس الوقت الأغلبيه الساحقه من الأسر تقول لأبنائها لم يحاولون يتكلمون بأي موضوع (( شلك بالبحر وأهواله ورزق الله على السيف )) أو (( لاتتكلم بالسياسه )) ، انا ماعرف احلل هالموضوع من ناحية نفسيه وتربويه لكن مما قرأت من دراسات في التربيه فإنه من احد عوائق النقاش الهادف هو عدم تأسيسه من الجذور

    أما الأرضيه المشتركه فأعتقدأنه يبيلنا وقت ، ويمكن الوقت يطول أو يقصر ، لأنه الأمريكان ماصار عندهم ارضيه مشتركه وحده ألا بعد تجارب مريره وحروب أهليه وسفك للدماء ، فأعتقد اذا هناك عزم واراده لدى شرائح المجتمع على التغيير للأفضل فبنحصل الارضيه المشتركه الواحده

    امممم ، تعتقد السبب في عدم وجود هالأرضيه هو التطرف ؟ أنا يساورني شك في هالقضيه

    اشكرك اخوي العزيز ، من خلال مدونتك هذي فتحت لي عدد من الأبواب للبحث في أمور اجتماعيه أكثر عمقاً

    أسجل اعجابي بتدويناتك

  3. مفاهيم :
    أهلا بك ، يقال أن منتدى الأسهم القطرية عش للمخابرات ، صحيح ؟

  4. حسن الحايكي :
    أهلا بك ، ويسعدني أنك في مدونة وسوم وجدت ما ينفعك .
    أما التطرف فلدي قناعة مغايرة ، أحيانا يكون التطرف هو الموقف الصحيح ، وأحيانا يكون التطرف هو العلاج الظرفي الصحيح . لذا علينا أن لا ندين التطرف بشكل مطلق .

  5. يقول مفاهيم:

    واحد من الأعضاء قال الأعضاء في المنتدى ثلاث اصناف:

    1- مطبل
    2- مواطن محترق
    3- مخبر هههههه

  6. يقول Jihan:

    أكثر ما أعجبني تعليقك على عدم دراية الفرد بنفسه وبهويته الامر الذي يؤدي لا محالة الى ضياع الهوية الفردية والجماعية . لا عجب أننا لا نتفق على أي قضية مهما كانت تافهة…

اترك لي أثرك