شعراء الهشاشة قبالة الشاشة

شعراء الهشاشة

يقول شارل بودلير : يوجد في أجناسنا المجعجعة أفراد يقبلون المقصلة بقليل من النفور لو سمح لهم أن يخطبوا في الجماهير من أعلى صقالة الإعدام”(1).

ويقول شاعر إيطالي : ” يا كثر بربرة الدلاخة في الخلا الخالي”(2).

وأقول أنا : ” خل اللي ما عنده ليسن يصفط يمين”(3).

_______________________

راحت كلها أمثال وحكم، المهم..

الإنترنت مصير العالم المعاصر، هناك تجارة إلكترونية وحكومات إلكترونية وكتب إلكترونية وشعر إلكتروني وإلخ..

أصبحت المنتديات والمنابر الشعرية في الإنترنت ولا سوق عكاظ في عصره الذهبي.

وهذا التحول التقني اتجاه طبيعي للحياة ككل وليس هذا بموضوعنا الأصلي.

شعراء الهشاشة

الشعراء الذين طالما تزينت بصورهم أغلفة المجلات وأشغلتنا أخبارهم هنا وهناك، أولئك الذين يولدون نجوما جاهزين وعلى حين غفلة ويباغتوننا مثل الأشباح بـ طلات موسمية، مرة بقصيدة جيدة تزخرف بمقدمة أجود منها ومرة بخبر ومرة بتغطية ومرة بإشاعة ومرة بلقاء.

وأحيانا كثيرة تلصق صورهم في زوايا الصفحات من دون أن يكون لهم أي شأن في الصفحة، نقرأ ونسمع عنهم كالأساطير، مجبرين على تناولهم كنجوم لا أشباه لهم من دون أن نعرف عنهم أي شيء ذي بال، أفكارهم وخلفياتهم الثقافية ومستويات وعيهم وتعليمهم وأخلاقهم ونحو ذلك، نجوم وفقط.

هؤلاء النجوم رأيت فئة منهم في عالم الإنترنت وهم مجردين من النياشين والأوسمة المطاطة، حفاة عراة في غرف الشات ودهاليز الإنترنت.

لا أخفي أني أصبت بخيبة أمل مريرة وأنا أتعثر في الأخطاء الإملائية المستمرة لأحدهم، أخطاء من ذلك الطراز الذي يجبرك على الضحك في هول الموقف: ذهبت = ذهبة، قصيدة = قصيدت، إنه = إنة ، وهكذا.

والآخر يكتب قصيدة عصماء حول الذات والماوراء ويكثر من ذكر أسماء بحور الشعر (جناية الفراهيدي) ثم تخذله تلك العبقرية الغيبية التي كتب بها معلقته في كتابة تعليق فني من سطرين على أحد المعجبين، يلجأ كثيرا لرسم الورود والابتسامات الصفراء المعلبة وبيض الله وجهك.

والفئة الأخرى رأيتهم أو أحسست بهم وهم ينزوون في الممرات بعيدا عن مواجهة الجمهور، لأنهم يعون جيدا فداحة الورطة حين يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الجمهور ستكشف الأمية الفكرية التي يعانون منها.

ورطة شاعر الهشاشة في النت

ليس في النت محرر صفحة شعبية أو رئيس مجلة يقدم الشاعر للناس كنجم طازج، طبعا بعد تعديل لغة القصيدة والإملاء وحذف بعض المفردات وإضافة بعض الأبيات ونحو ذلك مما يدعو له واجب صناعة النجوم المختبئين عن أدوات القاريء .

وجمهور الإنترنت كما هو معلوم عبارة عن مجموعة من (المطافيق) بعضهم في يده فأس والآخر في يده سؤال والآخر في يده مصباح أو مشرط أو قلم أحمر كل حسب وجهته، فكيف لصاحبنا الهش أن يجابه كل هذه الأسلحة ويحطم كبرياء الشاعر؟

الإنترنت فضيحة، تظهر الشخص كما هو، إلا أن يستأجر من يكتب له بدوام كامل/فترتين، وحتى لو فعل سينكشف أمره.

وفي المقابل هناك أسماء لامعة ولها ثقلها الأدبي وذاك لأنها تحمل وعيا حقيقيا وثقافة لا تبور، مثل هذا لما يكتب ما يكتب يكون واثقا وقادرا على النقاش والأخذ والرد، يتميز من خلال ما يطرحه من فكر ولغة سواء أكان ذلك شعرا أو حديثا هامشيا أو حتى ردودا مختصرة، هؤلاء لا ينتمون أبدا إلى شعراء الهشاشة .


(1) سوداوية باريس.
(2) فان جوخ ومحاربة الدلوخ.
(3) مساهمة مجانية لأسبوع المرور .

عبدالله السالم
عبدالله السالم
شاعر ناقد مدون من قطر

اترك لي أثرك