ملاحظاتي على الإخوان المسلمين

ملاحظات على الإخوان المسلمين

حرية الاعتراض وإبداء الرأي

لا بد أن كل منكم قد سمع أو قرأ هذه العبارة كثيراً في الإعلام بكافة أشكاله: عندي ملاحظات على الإخوان المسلمين أو ملاحظاتي على الإخوان المسلمين، أو الإخوان المسلمون أخطأوأ.. إلخ.

هذا التنويه الفائض عن الحاجة في الغالب سيكون مقبولاً حين يكون الحديث عن المقارنة بين فكر الإخوان المسلمين وبين فكر السلفيين مثلاً أو الجهاديين أو حتى الليبراليين في مسائل في الحكم أو الاجتهاد أو الدولة أو في أي مسألة بعينها.

وسيكون مقبولاً أيضاً لو كان الحديث عن اجتهاد للإخوان المسلمين في سنة من السنوات أو في بلد من البلدان في حادثة بعينها.

مشروعية الملاحظات على الإخوان المسلمين الآن

الذي أتكلم عنه هو تزجية هذه المقدمة الفارغة في الحديث عن الإخوان المسلمين لا في حادثة بعينها ولا اجتهاد بعينه ولا في زمن سحيق لسنا فيه شهداء على العصر، وإنما عن أمر حدث أمامنا ولا يزال يحدث، وهو تجربة حكم الإخوان المسلمين في مصر بقيادة الرئيس محمد مرسي رحمه الله لمدة عام فقط ثم الانقلاب عليه بدعم من أكثر الأنظمة المستبدة والجهات المعادية والتيارات المشبوهة والأقلام المأجورة.

ثم ما تلا ذلك، مجزرة رابعة والنهضة وسحق المتظاهرين وتكديس أعضاء جماعة الإخوان في السجون والحكم عليهم بالإعدام واختطاف بعضهم وإخفاء بعضهم وملاحقة بعضهم وهروب بعضهم إلى المنافي وشيطنتهم إعلاميا على مدار الساعة.

ثم يأتي هذا الأخ الموضوعي المتأنق ويبدأ جملته: أنا عندي ملاحظات على الإخوان المسلمين!

أتعرف أين تضع ملاحظاتك أخي الكريم؟

مأساة الإخوان المسلمين

الإخوان المسلمين لا يزالون يدفنون قتلاهم، الآباء والأمهات والأطفال لا يزال نشيجهم يملأ عنان السماء، المحكومون ظلماً لا يزالون ينتظرون حبل المشنقة، المنفيون لا يزالون يبحثون لعائلاتهم عن مسكن وكسرة خبز.

في الإمارات والسعودية ومصر والبحرين يلاحقون ويسجنون ويحكم عليهم بتهم الإرهاب فقط لأنهم انضموا لجماعة كانت مرخصة في بلدانهم.

وأنت مهموم فقط بطرح ملاحظاتك الخطيرة الثمينة التي لا تتحمل التأجيل ولا التفويت.

أنت كمن وجد صبياً هزيلاً اجتمع عليه مجموعة من مجرمي الشوارع، يضربونه ويسحلونه ويدوسونه ويقطّعون أطرافه بقسوة وهم يقهقهون، وقريباً ستفيض نفسه بسبب النزيف، وعندما نظر إليك بوجه ملطخ بالدماء يستغيث بك صامتاً، أحسنت من هندامك وتنحنحت مرتين ليظهر صوتك واضحا وقلت على مسمعهم: لماذا خرجت من البيت ولم تحلّ واجب الرياضيات أيها الصبي الفاشل؟ لدي ملاحظات عليك!

ولأنك لا تملك الشجاعة لم توجه كلمة واحدة لإدانة هؤلاء المجرمين الذين سيقتلونه أو تقوم بفعل صغير للدفاع عنه.

وحتى لو كنت تملك الشجاعة لفعل شيئ من ذلك، فإنه ليس من العقل ولا الحكمة ولا المصداقية أن تبدأ بمقدمتك التافهة تلك.

نزاهة الملاحظات على الإخوان المسلمين

لا أتصور في من  يريد الحديث عن الإخوان المسلمين الآن وبالذات تقييم تجربتهم في مصر أن يجد الرغبة ولا المسوغ العقلي ولا الوجداني لأن يبدأ حديثه بجملة: لدي ملاحظات على الإخوان المسلمين، بل ولا أن يتعرض لها إطلاقاً في هذا الوقت.

نحن أمام جرائم إنسانية ترتكب ضدهم وانتهاكات حقوقية صارخة تمارس عليهم، ولا يزال هذا قائما الآن أمام أعيننا، فأي إنصاف وموضوعية تسمح لي أن أتجاهل كل هذا المآسي التي تحدث أمامي وأذهب أبدي ملاحظاتي على تجربتهم السياسية ذات العام قبل سبع سنين؟ عسى أنهم فاشلون أوأغبياء أو سذج، أو أي وصف آخر أراهم به، ليس هذا وقته الآن!

لا يمكن أن يتجرأ على هذا شخص لديه الحد الأدنى من النزاهة والمروءة وشرف الخصومة.

تهافت الملاحظات على تجربة الإخوان

ما سبق من حيث الحس الإنساني السليم، أما من حيث النقاش الموضوعي فإن هذه الملاحظات أيضاُ ضعيفة لا تقوم لها قائمة أمام المنهج النقدي المنضبط.

لأن من لديه ملاحظات على فترة حكم الإخوان المسلمين المعروفة (2012-2013) في مصر وما تلاها لن تخرج ملاحظاته عن ثلاث صور:

  1. أن حكمهم كان رخواً في التعامل مع الخصوم، والقصد من هذه الملاحظة مطالبة الإخوان المسلمين عندما كانوا في الحكم أن يضربوا بيد من حديد، أن يبطشوا ويقتلوا ويحاربوا خصومهم في الداخل المصري بشراسة، باختصار: أن يفعلوا كما يفعل خصومهم الآن تماماً، وبهذا يضمنون البقاء في الحكم.

وهذا منطق لا يستند على شرع ولا قانون ولا نظر، بل هو منطق الغاب.

وتصدر هذه الملاحظات عادة من أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين أو من أنصارهم أو ممن يتعاطف معهم.

  1. أنهم كانوا سيرتكبون الأخطاء والانتهاكات وو..

وهذا منطق طفولي على أحسن تقدير، يفترض افتراضات ثم يتخوف منها ثم يحاربها، أما عند التحقيق النقدي المنهجي فلا يمكن أن نسجل ملاحظات على حكم الإخوان المسلمين بالتكهنات والتخرصات قبل أن يحدث هذا فعلا، بل لم يتح له الوقت ليحدث.

وتصدر هذه الملاحظات عادة ممن لديهم أزمة نفسية أو فكرية أو سياسية مع المظهر الديني او الإسلامي أو الإسلام السياسي.

ومهما يكن الاعتراض فإن وقته قد فات وموقعه قد تغير، نحن الآن إزاء انقلابات عسكرية وسجون وإعدام وتشويه، وليس وقت ملاحظات وآراء.

   3. أنهم نالوا ما يستحقون، وهذا عين العدل والحق، بل ربما يزيد البعض ويقول بل ما نالوه قليل، ولا زلنا نطمع بالمزيد، كالإبادة التامة بالحرق أو بالحمض أو السلاح النووي.

وهذا منطق إجرامي لا يستحق الرد لوضوح خلله.

غثاء الملاحظات على الإخوان المسلمين

منذ سقوط حكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 2013 والإعلام العربي يتلقى كل يوم المزيد من الملاحظات على الإخوان المسلمين.

تجربتي مع الإخوان المسلمين، المآخذ على الإخوان المسلمين، نقد الإخوان المسلمين، فشل الإخوان المسلمين، نجاة الأمة من خطر الإخوان المسلمين، ماذا كان سيحدث للعالم لو استمر حكم الإخوان المسلمين؟ .. إلخ.

الإخوان المسلمين جماعة إسلامية تسعى اجتماعياً للإصلاح حسب رؤيتها التي نتفق أو نختلف معها، وهي أيضاً تيار أو حزب أو فصيل أو جماعة، سمها ما شئت، تسعى إلى السلطة بأدوات التنافس الحزبي الديمقراطي المشروع، وليس في هذا عيب أو تناقض أو مكيدة.

على الأقل هذا ما حدث في مصر بعد الثورة المصرية وسقوط نظام مبارك واختيار الشعب لمحمد مرسي رئيسا للبلاد.

ونستطيع ومن حقنا أن نتفق معها في كل أو جزء من رؤيتها، ونستطيع ومن حقنا أن نختلف معها، وأن ننتقدها، وأن نتنافس معها، كل هذا جائز مشروع، ولكن هذا الخلاف والتنافس وإبداء الملاحظات والانتقادات يصح حين تكون البيئة مناسبة وصالحة لذلك.

أي، حين يكون الوضع وضعاً طبيعياً لتبادل الناس الآراء والانتقادات، وهذا ما لا يمكن إطلاقه أبداً على وضع الإخوان المسلمين الآن.

ولا يجب أن تكون إخوانياً أو إسلامياً أو مسلماً أو مسيحياً أو بوذياً أو حتى غيرمتدين بأي دين لترى أن وضع الإخوان المسلمين اليوم ليس وضعا طبيعيا لتقبّل أو حتى توقع مداخلتك القيّمة: لدي ملاحظات على الإخوان المسلمين، يكفي فقط أن تكون إنسانا لديه عقل وضمير.

الآن يجب عليك أن تبحث عن وسيلة للحفاظ على أرواح الإخوان المسلمين وحقوقهم الأساسية، ليس لأجل الاصطفاف في صفهم الفكري، وإنما لتبقيهم على قيد الحياة كي يبقى منهم أحد ليسمع ملاحظاتك القيّمة بعد ذلك.

أما أن تستغل الصفحات المعدودة أو الدقائق القليلة التي ستظهرفيها لتقول للناس رأيك في هذه المآساة التي تحدث أمامك، فتنزوي إلى ملاحظاتك الثانوية التي لا تناسب المقام المهول، فتأكد أن كل كلمة أو ثانية تقضيها في ذلك هو سهم توجهه إلى صدر الحق، وتآزر به ظهر الباطل وأهله، قصدت ذلك أم لم تقصد.

أخونة المخالفين

هذا أمر ملاحظ هذه الأيام في إعلام الأنظمة الاستبدادية، فهو يضفي وصف إخواني على كل مخالف أو منتقد أو معارض، ومن هنا يجد ضالته في هؤلاء السذج الموضوعيين الذين يبدأون مداخلاتهم الوظيفية بالعبارة المنتظرة: أنا لدي ملاحظات على الإخوان المسلمين.

ولو أنهم سألوا أرباب الوسيلة الإعلامية أي إخوان تريدون مني أن أتحدث عنهم؟ لم يعد أمامي الآن إخوان مسلمين، فهم اما في المقابر أو في السجون أو في المنافي، لكان الرد: لا، الإخوان المسلمين لم ينقرضوا، لدينا أشخاص كثر يعترضون على القرارات الحكومية، إنهم إخوان مسلمون لا شك، وعلينا أن نكمل شيطنتهم، نعم تفضل ما ملاحظاتك على الإخوان المسلمين؟

وقد كتبت مقالة تفصيلية ألقي فيها الضوء على تجربة الإخوان المسلمين السياسية في مصر بعد الثورة المصرية بعنوان: هل فشل الإخوان المسلمين في مصر أم أفشلوا؟ وأتمنى لكم قراءة ممتعة.

عبدالله السالم
عبدالله السالم
شاعر ناقد مدون من قطر

اترك لي أثرك