فيروس كورونا المستبد

فيروس كورونا المستبد

يلاحظ البعض جدية أنظمة الحكم الاستبدادية وحزمها في اتباع الإجراءات الوقائية لمواجهة انتشار فيروس كورونا المستبد عفوا، المستجد ويتساءل:

كيف تفوّق نظام الرجل الواحد وبقية الأنظمة المستبدة على الأنظمة الديمقراطية ودول المؤسسات؟

وما هذا الاهتمام المفاجئ عند الأنظمة الاستبدادية بالشعب وصحة الشعب؟

إذ المعروف من هذه الأنظمة تقصيرها الدائم في خدمة حقوق شعوبها في زمن الرخاء، بما في ذلك حقوقهم الصحية.

فيروس كورونا الحاكم بأمر الله

تفسيري لما جاء في التساؤلات السابقة أن هذه الجدية والحزم محركها ليس ما في قلب النظام المستبد من طيبة ورقة وخوف على صحة الشعب واهتمام بمصلحته أكثر مما عند الأنظمة الديمقراطية، وإنما الخوف من اختلال النظام فزوال سلطة الفرد أو الأفراد في رأس هرمه.

فالمعلوم أن المستبد يقدّم أسباب بقائه في السلطة والحفاظ على هذا النظام على أية أسباب أخرى تتعلق بمن سواه، حتى ولو كان ذلك بالتضحية بأقرب الأقربين، فكيف بعموم الشعب الذي لا ينظر إليه إلا على أنه فقط مادة حكمه وسلطته؟

فيروس كورونا المستبد

الهالة التي قدم بها فيروس كورونا المستبد والإجراءات الوقائية االمرافقة له جاءت تماماً على المقاس الذي يحلم به أي ديكتاتور مستبد يتوجس خيفة من تجمع الناس وتواصلهم وتفاعلهم الثقافي والاجتماعي ويتمنى لو أنهم ينشغلون بأمور أخرى غير مراقبته ومساءلته ولو في قلوبهم.

وبالرغم من حزم الديكتاتور الظاهر في وجوب تنفيذ الشعب للإجراءات الوقائية بما فيها منع صلاة الجماعة، ومنع التجمعات العامة، وتقييد حركة السفر، وسن قوانين صارمة لمعاقبة كل من يستهين ببعض هذه الإجراءات، أو ينتقد المبالغة فيها، أو يشكك الناس في مدى أهمية تنفيذها، إلا أنه بحسب سلطته المطلقة وسرية قراراته يستطيع أن يُبقي ما يشاء من أجهزة الدولة ومؤسساتها الضرورية وغير الضرورية تعمل في الخفاء على أكمل وجه للحفاظ على النظام.

أي أن  الإجراءات الوقائية الصارمة لا تنطبق على بعض عناصر النظام فهم يجتمعون ويخرجون ويتجولون ويسافرون سراً ويؤدون خدمات ووظائف كثيرة للنظام، بعضها ضروري وبعضها غير كذلك، وبعضها للمصلحة العامة وبعضها للمصلحة الخاصة، وبعضها مأجور وبعضها موزور وبعضها مستور.

وقد يستغل النظام المستبد هذه الظروف الطارئة لإرساء دعائم استبداده كما يريد في غفلة من الحساد والعذال والرقباء.

وتضرر الأنظمة الديكتاتورية من آثار كورونا على الاقتصاد المحلي والعالمي يتفاوت من نظام إلى آخر حسب ما يعتمد عليه النظام من موارد، فالدول التي تعتمد على السياحة والصناعة والتجارة ليست كالدول التي تعتمد على الثروات الطبيعية كالغاز والنفط والمعادن والعناصر الكيميائية ونحو ذلك.

وعلى هذا فإن الديكتاتور الذي لم يتضرر كثيرا بآثار فيروس كورونا الاقتصادية سيكون فرحاً بقدوم هذا الفايروس الوطني المنقذ لأنه يخدم كل أجنداته الخفية وعقده النفسية وطموحاته السلطوية بتكلفة لا تكاد أن تذكر.

استغلال كورونا

لا أقلل الآن من خطورة هذا الوباء ولا من أهمية اتباع الإجراءات الوقائية لتفاديه، وأدعو الناس بالفعل إلى الالتزام بها بالحد المعقول بلا وسوسة وتهيؤات، ولا أتهم الأنظمة الاستبدادية الحاكمة في دول العالم بافتعال نشر فيروس كورونا المستبد على مذهبهم، ولا أنفي هذا ولا أثبته، ولكني أقول أن رياح كورونا المستجد جرت بما تشتهي سفن الديكتاتور المستبد.

واستغلال أشرار الخلق للظروف الطارئة والجوائح والكوارث أمر معلوم بالحس والخبرة، فكيف إذا كان هؤلاء هم الجاثمين على صدور الناس من قبل مجيئها، بالطبع سيبدأون يحسبون فوائد كورونا عليهم وينشغلون عن مضارّه.

بل إنه يحدث أحيانا أن يفتعل الطغاة في أوطانهم أحداثاً كبرى لإشغال الناس بها عن أحداث تقع في مكان آخر، أو عن قرارات مجحفة قادمة، أو لترويعهم ومن ثم ربطهم بهم في متلازمة : نعمة الأمان والأمان الشهيرة.

فكيف إذا جاءهم  بنفسه هذا الحدث المشغل للناس على طبق معـ كورونا بالبشاميل.

عبدالله السالم
عبدالله السالم
شاعر ناقد مدون من قطر

اترك لي أثرك