تماسيح الساحة

تماسيح الساحة

عفوا : يمنع اصطحاب الأطفال وذوي القلوب الرقيقة والضمائر الحية، فالساحة خطرة، يا أخي بالعربي ساحة تماسيح، حط رجلك.

ساحتنا الأدبية والشعرية الشعبية تحديدا ملغمة بالتماسيح، تماسيح الساحة .

و التماسيح لمن لا يعرفها مخلوقات دميمة خطيرة، لها أسنان كثيرة لتنهش وتلوك مما ذل وخاب، كما أنها تعيش دوما على هامش الحياة الطبيعية، وتندس في المستنقعات طويلا لتتحين لحظة الانقضاض على فريسة الغفلة، وعادة تكون أحد الإعلاميين الصادقين في دواخلهم والمفهين فيما بينهم وبين الناس، أو أحد الأدباء الطيبين إلى حد الثقة في كل وجه ضاحك.

وكيلا أكون متشائما للغاية، فإن وجود التماسيح عامل ضروري لانضباط دورة الحياة والمياه والطبيعة، فهي تأكل المخلوقات التعيسة، وبدورها تفيد بقية المخلوقات بجلودها النفيسة، بالله عليك كيف كنا سنعيش في هذا الكوكب الفسيح لو لم يكن هناك ما يسمى بجلود التماسيح ودموع التماسيح وساحة التماسيح؟

وأبشركم أننا بخير، وساحتنا بحمد الله “مغززة” بالتماسيح بكافة أشكالها وتخصصاتها وأعمارها.

فهناك تمساح كبير مسالم، وظيفته بث الحماسة في التماسيح الشباب كي يقتدوا به في نضاله التاريخي ليبقى أطول زمن ممكن على عرش الساحة وفي شاشاتها وفعالياتها.

وهناك تمساح وظيفته فقط تصيد الأسماك الضالة والقباقب المتهورة وحتى الضفادع والسحالي الساحلية، فهو دوما خلف كل ضفدع دخلت المستنقع على أوهام وردية، أنها سوف تدخل عالم التمسحة من أوسع أبوابه، وإن كانت تتمستح زمنا يسيرا ثم تكتشف في نهاية الطريق أنها لم تنبت لها أسنان كثيرة ولم تعد قادرة على إتقان النقيق.

وهناك تمساح متخصص بنقل الأقاويل وطبلة “سلوم الرجاجيل”  فيذيع دوما أن تمساح الصخرة الجنوبية يطعن في تمساح الشجرة الشمالية، وأن التمساح “أبو سن ذهب” جده الأكبر ضب متنكر.

وهناك تمساح مثقف أو متثيقف، وجهان لتمساح واحد، كان يسترق كتب الأدب الروسي من مغارة تحت الجبل تبدأ من لفة العطورية وتنتهي في ساحة الكرملن.

وهناك تمساح بزنز، يظهر للسياح ويحسب أمامهم أسنانه، ويقوم ببعض الاستعراضات التمساحية الشهيرة، مقال مسروق مثلا، صورة بالصدفة مع أحد النجوم، قصيدة مدردعة، كل هذا ليكسب آخر النهار فتات التونة التي يرميها عليه السياح الأجانب، أما أهل الديرة فيعرفون البير وغطاه.

ولا أنسى من التماسيح ذات الموهبة الفائقة في اشتمام المصالح المادية عن بعد، لذا ستجد أسماء هذه التماسيح معتكفة منذ سنين في تحرير الصفحات والمطبوعات وإعداد البرامج والأنشطة التي تخص الساحة، كمهرجان التماسيح السنوي، ومسابقات التماسيح الدورية، ونحوها.

كما لا أنسى تلك النوعية من التماسيح التي ستجدها دائما أمامك من حيث دخلت المستنقع، من أي جهة تشاء، وهي تماسيح تهتم كثيرا بإظهار نفسها على أنها أرانب أنيقة أو جراذي ملونة، أو حتى طيور كناري، وبعضها يصدق كذبته فعلا فيبدأ بمحاولة الغناء أو القفز أو الرقص، ولذا تولدت لنا مفاهيم أدبية جديدة مثل: رقص التماسيح وغناء التماسيح وشعر التماسيح.

المؤذي في الأمر: أنه لغلبة التماسيح الناتج عن كثرة أسنان التمساح “وطول وجهه” في أي محفل فإن الحياة الفطرية في المستنقع مهددة بالتفكك وارتباك النظام الطبيعي، إذ اكتسحت تقليعة التمسحة أو الممسحة كل ملامح الحياة الطبيعية هناك، وبدأت العدوى تدب في صغار السمك والسلاطعين والضفادع ليواكبوا الموضة في تقليد نجوم “الموسحة” (هي العولمة لكن في ساحة التماسيح ).
وحتى خيول البحر وعرائسه ويواقيته بدأت تتأثر بهذا المد السمساحي المخيف.
لحظة : يبدو أنه نبت لي الآن سن زائد، يا ساتر.

عبدالله السالم
عبدالله السالم
شاعر ناقد مدون من قطر

3 تعليقات

  1. يقول محمد آل سلعان:

    أستاذي/ عبدالله
    اقولك بكل صدق وبدون اي مجاملات.. والله أنني وجدت قلمك هو القلم الصادق في مايكتبة كما وجدت فيه ضالتي اللتي ابحث عنها اذ انه يعبر عن مكنونات ذائقتى … وفقك الله وجعلك دائماً نبراس نوراً يوضيئ في سماء ساحتنا القطرية

  2. يقول عبدالله:

    أهلا محمد وشكرا للإطراء .
    يالله إذا مقتنع في قلمي رشحني أفوز بشاعر المليون ( بس ترى ما اشتركت للحين )
    <<< ما عنده بيع برّيد : )

  3. يقول سعد الحوشان:

    وفيه تماسيح تخصصها تكتب عن التماسيح، وتماسيح تخصصها ترد على التماسيح اللي تكتب!

    أمزح. ضحكني مقالك كثير.

اترك لي أثرك