عن غياب عواض العصيمي

قراءة نقدية عواض العصيمي

بعد غياب : عواض العصيمي

جسّ نبض الباب قبل الطرقتين، وجسّ لوحه

قال: يا كثر اليدين اللي تقول الدار خالي

ما صحى في الباب بعد الطرقتين إلا الملوحة

والغبار اللي على الدرفة حثى وجه الليالي

صاح: يا أهل الدار، واشعل في الفراغ الشرس بوحه

وانمحى في دمعتين وحسّ شي مـن التعالي

في يدينه كان مفتاح الغياب يشد روحه

للغبار، وخندق الجدران حول الباب عالي

قال: غاب الدار مدري غاب عني في وضوحه

هو أنا اللي جيت صوب الدار والا الدار جالي

والغبار اللي على المدخل تقضّب فـي جروحه

ما لفيت الا على ريح تذره فـي سؤالي

اسمع ايامٍ تردد مـن ورا الباب السموحة

ما نعرفك، من تكون؟ وليش ثاير وانفعالي؟

كم ذبل في الروح نجم وضاقت النفـس الطموحة

والحياة اللي طوتك هناك صلفة مـا تبالي

وانمحت فيك الدروب وصارت الخطوة شحوحة

وجيت لا حادي ولا خيـّال مظهرك ارتجالي

هز راسه في برود وصمت واوغل في نزوحه

قال يلقى الـدار بعـد الطرقتين احدٍ بدالي

كان وجه الباب راكد مـا عليه الا الملوحة

والغبار اللي على الدرفة يقـول الـدار خالي

مسحة جذعية

عدد الأبيات: 11 (مناسب)

الاتجاه الشعري: نص حديث

الغرض الشعري: وجداني

العلامات الفارقة: السرد

تخدير موضوعي

ميزة هذا النص أنك لا تدري هل هو أبيات شعرية أم قطعة قصصية قصيرة، فقد أجاد النص اللعب على الحبلين معا، فخرج نصا أدبيا مضاعف الأدبية .

وبيان ذلك، أن القاريء سيؤخذ منذ الجملة الأولى في النص “جس نبض الباب” بمتابعة سرد الأحداث، وسيظل متحفزا حتى النهاية لمعرفة النهاية.

وبغض النظر عن قيمة القصة المسرودة في النص الشعري إلا أن المتلقي سيضطر للانتباه المتصل حتى نهاية الحدث، ومع ذلك فقد جمع هذا النص بين الشعرية العالية والقصصية العالية أيضا، فالقصة المبثوثة في النص اعتمدت التقنيات الإجرائية للمقطع الروائي الحديث، صوت الراوي، الوصف المكاني، الوصف النفسي، الخيال، الشخصية، الحيز، وبقية المشكلاّت السردية المعروفة.

ويمعن الشاعر في قصصية النص الشعري هذا بإلقائه البيت الأخير ” كان وجه الباب” بهذا الشكل الضارب في السردية، فأنت لو كنت تقرأ مقطعا من رواية، كنت ستقرأ لزاماً مثل هذا الصوت القادم من خارج المونولوج الداخلي للحدث، كالصوت الذي يسجل وقائع تاريخية مشابهة للحدث، أو أحداثا أخرى في نفس الزمان ولكن في أماكن أخرى، أو كما في حالتنا هذه، الصوت الذي يخرج من أفقية الحدث الروائي ليصف المكان بمنظار رأسي: كان وجه الباب راكد.. إلخ.

إلى المشرحة ( قراءة نقدية ) :

جسّ نبض الباب قبل الطرقتين، وجسّ لوحه

قال: يا كثر اليدين اللي تقول الدار خالي

في هذا الشطر والشطر اللاحق شعر كثير، تصعب الإحاطة به في كلمات يسيرة، وذلك لقوة التماسك بين هذه الكلمات (جس نبض، جس نبض الباب، قبل الطرقتين، جس لوحه، كثر اليدين تقول، تقول الدار خالي) من حيث التوافق الوظيفي، ومن حيث الترابط المنطقي، واختصار ذلك سأذكر بعض النقاط:

جسّ نبض الباب: هذه الإضافة ”نبض الباب” استعارة مبتكرة غير مطروقة، مما يجعل العبارة قيمة جدا.

كما أن العبارة كاملة ”جس نبض الباب” عبارة عالية الأدبية لثلاثة أسباب:

سبب لغوي: أي العبارة تعلي من شأنها ذاتيا، لوضعها اللغوي فقط، فعبارة جس نبض من تلك العبارات الخاصة التي لا تتكرر كثيرا مع حفاظها على قيمتها الدلالية كاصطلاح أو قالب لغوي قيم.

سبب جمالي: وذلك بإضافة الباب للعبارة ”جس نبض” ، وبهذا تولدت لنا لفظة مبتكرة تحمل صورة رمزية مبتكرة أيضا، وشديدة الفاعلية الأدبية.

سبب عقلي أو تخيلي: وأقصد بهذا الوقع الدلالي الذي تخلفه هذه العبارة لدى المتلقي، وذلك لأنه مضطر لمعالجة هذه اللفظة الجديدة في عقله لثوان فور سماعها أو قراءتها، فسينتج عن ذلك تولد صورة معينة افتعلها الشاعر في عقل المتلقي، لرجل يتفحص الباب بريبة، يجس نبضه إن كان له نبض، ثم تنهمر الكلمات الأخرى في بقية البيت لتوطن وتزخرف هذه الصورة الفنية.

قبل الطرقتين: هذه العبارة وظفت في هذا المكان تحديدا باحترافية عالية لهذه الأسباب:

1- العلاقة المنطقية والمتلازمة بين الطرق والباب، فلم يقل قبل الآهتين أو النظرتين.

2- الطرقتين بهذه التثنية جاءت مقصودة لذاتها، لا لجرسها الصوتي الذي يغري العديد من الشعراء فيستعمل التثنية غير المقصودة مثل: نجمتين، غيمتين .. إلخ، وإنما بقصد التقليل فعلا.

3- إرادة القبلية حقيقة في ”قبل الطرقتين” لرسم صورة رجل يتفحص الباب بتوجس قبل أن يطرقه طرقتين فقط، لتصوير مدى القلق والترقب والغربة.

جس لوحه: هذا العطف بين قوله ”جس نبض الباب” و ”جس لوحه” خلق جمالية مباغتة لدى القاريء/المتلقي، فهو بعد إنهاء عبارة: “جس نبض الباب قبل الطرقتين و جس ” سيظن أن الواو ستعطف جملة أخرى مماثلة، مثل : وجس نبض اللوح، كما أنه استعد ذهنيا بعد سماع جس الثانية لهذا الأمر، فتفاجئه العبارة بصورة في لفظة أخرى: جس لوحه، وهذه المكيدة الفنية هي ما تصيب المتلقي بالذهول واللذة الأدبية، على أن الشاعر فعل هذا بدون تصنع، فهو لم ينحرف عن ذهنية المتلقي بافتعال يوقعه في صورة منكرة، بل كانت دلالة الجملة: جس لوحه، مناسبة مقصودة، ومفيدة في شأنها أيما فائدة.

يا كثر اليدين اللي تقول الدار خالي

كثر اليدين اللي تقول: هنا استعارة ذكية، فاليدين لا تقول، وإنما تترك أثرا يوحي للعقل بالمعنى، والأثر هو كثرة آثار الطارقين قبل هذا الطارق في النص، والتي توحي أن الدار خالية لا يفتح بابها أحد.

الدار خالي : الدار مؤنث، وخالي مذكر، ولكن قد يكون الشاعر يتبع لهجة خاصة تذكّر الدار.

ما صحى في الباب بعد الطرقتين إلا الملوحة

والغبار اللي على الدرفة حثى وجه الليالي

ماصحى في الباب: اختيار كلمة صحى يعضد الصورة السابقة في البيت الأول، الغياب المتمثل في صمت الباب وخلو الدار.

إلا الملوحة: هذه المفردة تتضمن فنية عالية جدا لسببين:

1- جاءت مغايرة من حيث المعنى، فالمتلقي كان ينتظر مفردة في ذهنه تتعلق بالباب والدار، ربما صدى الطرقات، أو تكسر الخشب، أو الطيور فوق الباب، أو حتى الغبار الذي استعمله الشاعر لاحقا بشكل ثانوي، لكن الملوحة جاءت منفلتة بلا سوابق منطقية، فهي ليست من الكلمات التي يستطيع المتلقي إكمالها لو سكت الشاعر على ما قبلها كما نرى كثيرا في فن الإلقاء الحديث.

2- مع هذه الجدة والابتكار جاءت المفردة ” الملوحة ” عميقة الدلالة والمناسبة للمعنى الكلي، فأية ملوحة أيقظتها الطرقتين يا عواض العصيمي ؟ من الجميل أنه معنى قابل للتأويل الواسع، فالملوحة بمعناها اللفظي المادي مقبولة، أي مجموعة الصدأ والملح المترسب على الحديد، وأيضا مقبولة بمعناها الإشاري، وهي الملوحة التي تتولد في نفس الطارق، كاليأس والوحشة ونحو ذلك.

الدرفة: اختيار هذه المفردة جاء موفقا للغاية، فبالإضافة إلى انتمائها الشديد لبيئة المذكورات في النص من باب ولوح وطارق ودار، فإنها استخدمت في الموقع الشعري بمهارة إمعانا في ذكر جميع تفاصيل الحدث.

حثا وجه الليالي: لا أدري كيف سأحيط بجمالية هذه العبارة، فهي أبلغ من أن تحبس في كلمات تصفها حيث أن الشعر هو أبلغ أنواع الكلام البشري، ولكن سألقي الضوء على التراكيب المضاعفة في الكلمات الثلاث ”حثى، وجه, الليالي” روابط خاصة استعارات بعضها فوق بعض ولدت صورة في قمة الفنية.

ومنها الترابط اللغوي الوثيق بين الحثو والغبار، وبين الحثو والوجه، ثم ابتكار صورة جديدة وهي وجه الليالي، وكأنها انسان له وجه، ثم يفيد كل هذا تقادم خلو الدار وهجر أهلها لها، وغير ذلك.

صاح: يا أهل الدار، واشعل في الفراغ الشرس بوحه

وانمحى في دمعتين وحسّ شي مـن التعالي

يا أهل الدار: بالرغم من التزام الشاعر بقالب شعري منضبط، وسرد قصصي متصل، إلا أنه لم يغفل أو ينشغل عن الاهتمام بتفاصيل الحدث، فأتى بهذه العبارة الدارجة التي يقولها كل من يطرق بابا، يا أهل الدار، يا أهل البيت، ولم يحور الجملة أو يحرفها عن صيغتها الشائعة لتناسب المتطلب الشعري أو القصصي، جاء بها كما هي في الواقع: يا أهل الدار.

اشعل في الفراغ الشرس بوحه: هذه العبارة على شاعريتها العالية، شعرت أنها ثقيلة على الشعر، وتناسب الاسترسال القصصي أكثر، ربما هذا بسبب كلمة ”الشرس” التي صنعت ثقلا موسيقيا في صوت الكلمات، والتي تبعد قليلا عن اللهجة الشعبية.

انمحى: وصف بليغ مركب، فالشاعر لم يتوقف عند الوصف التقريري لذرف الدمع بل استرسل إلى وصف أثر هذا الدمع على صاحبه الذي انسحق تماما بعد الدمعتين.

حس شي من التعالي: هذا أسلوب قصصي بحت، التركيز على متابعة الحدث للنهاية ومن كل الجوانب، فإذا استعمل في الشعر استعمالا مناسبا جاء قويا فعالا.

والغبار اللي على المدخل تقضّب فـي جروحه

تقضّب : ورود هذه المفردة الضاربة في الشعبية بين منظومة من المفردات الحديثة كان إجراء إبداعيا مقصودا.

وتقضب لغير الناطقين باللهجة النجدية أي : تمسّك، وهي تحوير شعبي للكلمة الأصلية : تقبّض.

اسمع ايامٍ تردد مـن ورا الباب: السموحة

ما نعرفك، من تكون؟ وليش ثاير وانفعالي؟

هذا الحوار عنصر إضافة للنص لأسباب:

1- إدراج الحوار أيلً كان في مقطع شعري يعد عامل قوة للبناء الشعري، إذ يمزجه ببناءات أخرى كالقصة والحوار والتقرير.

2- حافظ الحوار على بنائه سليما كما ينبغي ولم يتأثر بضيق القالب الشعري، فجاء سلسا كأنه حوار حقيقي.

3- حافظ البناء الشعري على نفسه ولم يتأثر بمتطلبات الحوار السليم.

4- السموحة: مفردة من فصيلة العبارة السابقة ”يا أهل الدار” فهي من الشائع استعمالها في موقف كهذا.

انفعالي: مفردة قلما تستعمل في الشعر الشعبي مع حفاظها على قيمتها التداولية في الكلام المثقف الشائع.

والحياة اللي طوتك هناك صلفة مـا تبالي

في هذا الشطر انسجام كلي مع موضوع القصيدة المختزل في عنوانها ( بعد غياب ) ومع المقدمات السابقة في الأبيات التي مضت، وكلمة ”هناك” الآتية على لسان المحاور خلف الباب تؤكد أن الطارق/شخصية النص قادم من أماكن بعيدة.

وانمحت فيك الدروب وصارت الخطوة شحوحة

وجيت لا حادي ولا خيـّال مظهرك ارتجالي

ورود كلمة ” انمحت ” لم يكن موفقا إذ مرت قبل قليل ولم يكن ثمة مسوغ للتكرار .

شحوحة : لم تعجبني لا أدري ما السبب تحديدا، هل لأن الكلمة في اللهجة تأتي شحيحة لا شحوحة أما إذا رجعنا لأصلها الفصيح فينبغي أن نقول شحوح على البناء الأصلي لا شحوحة، أو لسبب آخر.

مظهرك ارتجالي: هذا الوصف يوحي بمعان مفتوحة، وهي سمة النصوص الحديثة المتطورة، ومع ذلك فقد أنشأت العبارة صورة جميلة للمظهر الارتجالي، المظهر العفوي غير المتهيئ.

قال يلقى الدار بعد الطرقتين أحدٍ بدالي

في هذا الشطر مجموعة عوامل لإنجاح العبارة الشعرية، منها:

1- العودة على ذكر الطرقتين السالفة بقصد إبرازها كمحور للحدث بأكمله، فالحدث على كثرة المشاعر والأوصاف والصور التي ولدها لم يتجاوز على أرض الواقع مسألة الطرقتين قبل وبعد.

2- الانسيابية اللفظية في الشطر بأكمله، فهو خال تماما من الأحرف والضمائر الزائدة، والتقديم والتأخير المربك، بل سال سيلانا شعريا جزلا.

3- ترك المعنى على حافة الدلالة الموارية، فهو لم يصرح ما الذي أراده الطارق بهذا القول، لكنه أوحى بتركه للدار خلفه منزحا صامتا ممتعضا.

كان وجه الباب راكد مـا عليه الا الملوحة

والغبار اللي على الدرفة يقـول الـدار خالي

بهذا البيت تكون القصيدة من القصائد المدورة، لكن الشاعر استعمل التدوير استعمالا ذكيا، فوظفه كصوت خارجي يصف نهاية الحدث بأسلوب قصصي أخاذ.

نتائج مخبرية

النص مشحون بعناصر الإبداع ، وقبل ذلك خلا تماما من الحشو اللفظي ، أما الإسهاب الوصفي الذي قد يعتبره البعض من الحشو المعنوي فهو عامل إبداعي مستقل ، حيث كان الشاعر يجدد تناوله للمادة الموصوفة من انطلاقات مختلفة ، تصب معظمها في مسألة الاسترسال السردي .

نص فائق الجمال.

أعجبني، شكرا عواض العصيمي .

عبدالله السالم
عبدالله السالم
شاعر ناقد مدون من قطر

اترك لي أثرك