المستيقظ متأخرا على درس الثقافة

درس الثقافة

الغياب عن درس الثقافة

شخص أُمي وصل عمره الأربعين وهو يرعى الإبل أو يهتم بالزرع أو يعمل حارسا أو سائقا أو أي شيء مشابه. هيا تحدثْ معه عن وجود الإلحاد ورموزه وأتباعهم، أعوذ بالله، تحدث معه عن حرية المرأة، أعوذ بالله، تحدث معه عن المثلية الجنسية أو حتى الجنس في الموروث الشعبي ، أعوذ بالله، وهكذا، هذا لم يستيقظ بعد على درس الثقافة ولا أظنه سيفعل.

أنت دكتور في إحدى هذه المسائل، ربما أنت أيضا ابن إحدى هذه التجارب منذ الصغر ، ترعرعت مثلا في مدينة تورنتو، فهي جزء من ثقافتك أصلاً، ثم تعليمك الأكاديمي المتخصص لاحقاً.

ما حجم الهوّة بينك وبين الشخص أعلاه ؟

الاستيقاظ المتأخر

حسناً ..

ماذا لو اشتغل هذا الشخص الأربعيني على نفسه وتعلم القراءة ثم قرأ في سنة ألف كتاب عن الإلحاد والدين والجنس والحقوق والمرأة وكذا ، ما الذي سيحدث؟ ماذا سينتج لنا؟

إنه  ” المستيقظ متأخرا على درس الثقافة “.

هؤلاء أناس لم تتشرب عقولهم وأرواحهم درس الثقافة ، لكنهم استقوا منه متأخرا كيلا يذبلوا أو يتحولوا إلى كائنات جافة تماما كالصبار والعبل.

عفوا، العبل نبات صحراوي وهذا اسمه الفصيح ويسمى الأرطأ أيضا، ويشبه الطرفاء.

ولكن لعمق العطش الثقافي الذي أدركوه متأخرا باتوا يعبّون من درس الثقافة بكميات كبيرة خانقة.

التشتت الثقافي

هؤلاء في مجال الفكر وحتى بين أفراد مجتمعهم يضيعون تماما، ويعانون فعلا جراء هذا الضياع، فلا هم بدائيون قساة يسيطرون على الجماعة بالصوت البدائي الطويل والحضور المهيب والجرأة المخيفة كبقية القادة الرموز، ولا هم متحضرون مثقفون حقيقيون يرفعون صوتهم بالشعار الجديد المغاير الذي قد يقسم الجمهور في الغالب إلى فريقين، مع وضد.

لا، هم صوت ثالث، جبان ومرائي ومتردد، وبالأصح: صوت لا صوت له.

صوت يعرف الحق ويخشى أن يتبعه وحيدا، ويعرف الباطل ويسير في ركبه مع الجماعة.

لديّ الكثير من هذه العينات فهل لديكم أنتم؟

إنهم رغم تضعضعهم ناجحون، ورغم تخاذلهم يمسكون العصا من المنتصف، فيتحدثون مع البدائيين بلغتهم ومع المدنيين بلغتهم، لذا ينجحون كثيرا في دور الوسيط والسمسار وأمير الهجرة أو المنطقة وضابط الصف ورئيس القسم وشيخ القبيلة وهكذا.

كل هذه المناصب تصلح فقط في عصرنا الذي لابد فيه من مناصب أعلى فوق المناصب المذكورة، لا تنس.

قال شيخ قبيلة قال.

هذا شكل من أشكال ” المستيقظ متأخرا على درس الثقافة “.

أما الشكل الثاني فهو أشد وأخطر:

أولئك الذين أدركوا حجم جهلهم وجهل محيطهم، فرجعوا متأخرين لمعاقبة هذا الجهل بالعداء والتعنيف والمعارضة والنقض، بهذه الروح المعادية.

لو قلت له: السماء زرقاء، سيقول لك: أيها المجرم الكذاب الأشر: السماء قد تكون سوداء، أو بيضاء، أو حمراء، أو أنا أعمى، أتريد أن تخدعني؟ اقتلوه.

تقول: أمريكا أقوى دولة، تقول له هذا في حديث عابر، فيستوقفك: ما أمريكا؟ وما إعراب أقوى؟ وما جمع دولة؟ أجبت أو كأخيك السابق، اقتلوه.

علامات المستيقظ متأخرا على درس الثقافة

عندما تجد الشخص يخالفك كثيرا في المصطلحات الثابتة، الله، الرسول، الحق، الواجب، العدل، التاريخ، الحياة، الموت، الإيما .. إلخ، فاعرف أنه أخذ جرعة ثقافية أكثر من اللازم.

هو أيضا الأخ ” المستيقظ متأخرا على درس الثقافة “.

وأنا شخصيا أعرفهم في لحن القول، أستطيع اصطيادهم مغافلة في مواطن كثيرة، منها:

  • مخارج الحروف، الغين، الضاد، القاء، وهو حرف يخصني، طريقة إخراج القاف عند الشيبان تقارب القاء، وما القاء ؟ لازم صوت، لذا هي تخصني، قلت لكم.
  • المقاطعة الكثيرة لكلامك.
  • علو الصوت
  • السباب
  • الاستهزاء
  • الحديث عن الرموز العلمية والأدبية الحقيقية بازدراء، انشتاين، ميكافيللي، داروين، أم كلثوم، عبدالرحمن منيف، النفيسي، عدنان إبراهيم، محمد عبده، وكل ما يظن أن الناس يحترمونه أو يبجلونه.
    وهذه الطريقة لإثبات قدرهم والتسلق على أكتاف المشاهير ولو كانوا مشاهير جيدين.
  • سوق الآراء والتحليلات المحتملة بصيغة المطلق والنهائي والقول الواحد الأخير، وتأكيدها بصيغ اليقين.
  • تطريز توقعاتهم وآرائهم عن المستقبل بعبارات: خذوا مني فقط، سأخبركم شيئا لا تنسوه، لقد أخبرتكم، تذكروا كلامي، تذكروا ما أقول، كما أخبرتكم .. إلخ.
  • تسفيه الآراء المخالفة بلا أدلة مقنعة.
  • سرعة استحضار القوالب الاجتماعية والعادات حتى المخالف منها للحق والعلم، مثل: العيب، المنقود، السمعة.

درس الثقافة

الغرب من الفرنسيين والإنجليز والأمريكان أكثر تثقفا منا، أكثر منا تقبلا للأفكار المختلفة، إنهم أكثر مرونة منا، إنهم أقرب لحقيقة الإنسان منا، أو بالأصح أقرب للإسلام منا.

الثقافة في عمقها هي معرفة واستيعاب أفكار الآخرين المختلفة، هذا هو درس الثقافة الأول.

وهذا رأيي.

عبدالله السالم
عبدالله السالم
شاعر ناقد مدون من قطر

اترك لي أثرك