حملة مقاطعة ، عبارة جديدة علينا في قطر – Abdulla Al-salem Blog : A Poet from Qatar

اليوم طفش.. هيا بنا نشنُّ حملة مقاطعة

حملة مقاطعة

أمس، عزمتُ بشكل جاد على شنِّ حملة مقاطعة سريعة، وذلك بعد أن وقفتُ عند دكان الحارة، وطلبت من الشاب الهندي الموظف علبة حليب، فدخل الدّكان ولم يرجع بالطلب إلا بعد دقيقتين كاملتين من الانتظار، وحين جاء فإذا به يمد يده بعلبة حمضيات!

ياللعار!

ألهذا الحد وصل بالأجانب الاستهزاء بمقدساتنا وهويتنا الوطنية؟

بالله عليه، هل يبدو على سحنتي الوقورة أنني من “شلة” الحمضيات والعياذ بالله؟ في آخر عمري أتحول إلى درباوي؟

لذا أنا عازمٌ على شنِّ حملة مقاطعة شرسة ضد سوبرماركت التقوى للمواد الغذائية والمرطبات، وخصوصًا ضد عامل توصيل الطلبات، واسمه شرف الدين.

وأدعو المواطنين الشرفاء إلى هذا الجهاد المبارك والموقف الوطني النبيل، فعلى بركة الله، هيا بنا نسوّي حملة مقاطعة.

للأسف أنه بمثل هذه الارتجالية والفردية أو قريبا منها، انتشرت مؤخرًا في قطر هذه الظاهرة الهوجاء العوجاء، وتحديدًا في مواقع التواصل الاجتماعي الشهيرة، تويتر والفيسبوك.

حملات المقاطعة في قطر

حملة مقاطعة كيوتل، حملة مقاطعة الخطوط القطرية، حملة مقاطعة اللؤلؤة، وأخيرًا حملة مقاطعة لسوبرماركت حارتنا وموظفه شرف الدين، سوبرماركت التقوى للمواد الغذائية والمرطبات.

وتقوم هذه الحملات المقاطعجية، وتحدث بعض الضجيج الوهمي، الذي يظل حبيس أسلاك الإنترنت، ومع ضغطة زر (شت داون)، تُطفأ أجهزة الكمبيوتر، وتموت معها الحملات الوهمية، لتعود من جديد في اليوم الثاني، وهكذا حتى أسبوع أو اثنين، حتى تخبو إلى الأبد لتسجل في تاريخ الحملات الوطنية، حملة مقاطعة فاشلة بكل المقاييس.

ما هذا العبث الصبياني؟

ما هذا التشتت والانشغال الكلي في قضايا جزئية هامشية، وإشغال العامة بقناعات خاصة، والانكباب على الفروع وتجاهل الأصول؟

ثم أن السمة البارزة في حملاتنا الوطنية المذكورة، غياب المنهج الواعي المؤسس على الأدلة، والمقتصر على العيوب الكبيرة التي تشكل همًّا جماعيًّا حقيقيًّا، ثم اقتصار التمثيل الإعلامي على مجموعة من الناطقين الرسميين، الذين يعون جيدًا قمة كل تصريح وبيان.

أما أن يترك الحبل على الغارب، ليتحدث كل من شاء بما شاء متى شاء، فهذا أسلوب هواة يدقون في نعش قضيتهم من حيث لا يشعرون، وستتسبب هذه العشوائية والفوضى بإضعاف حجتهم أمام الخصم، حتى ولو كانوا يريدون إثبات وجود الله.

المراقبون في دول الجوار، يزعمون أن انتشار هذه الظاهرة في قطر ما هي إلا إفرازات الربيع العربي، وصلت إلى قطر بهذا الشكل المشوَّه الفائض عن حاجة المواطن، فتأثر البعض وأراد أن يحجز له في دائرة الأحداث، موقعًا تحت الضوء، فلم يجد إلا بعض الشركات الخدمية وسوبر ماركت التقوى مثلي.

وأنا أضيف زعمًا إلى زعم المراقبين في دول الجوار، أن بعض المهتمين بقيادة وإشاعة تلك الحملات، انطلقوا من منطلقات وطنية نبيلة، لتطوير الوطن وتصحيح بعض أخطائه، وهنا مؤاخذتي ليست على أهدافهم البريئة، ولا أصواتهم الجريئة، وإنما على أساليبهم الرديئة.

حملة مقاطعة الخطوط القطرية

نعم، الخطوط القطرية ترهق كاهلي بغلاء الأسعار، أنا أعاني مثلك، ويغضبني أيضًا منعها للشركات المنافسة من طرح عروض مخفَّضة ، لكنا ندرك جيدًا أن الخطوط القطرية لم تكن ستملك هذا الحق، إن لم يكن خلفها قانون يحميها، فلماذا أصب جام غضبي على الشركة التجارية ورئيسها وطاقمها، حتى المضيف المسكين الذي قرر في موقف فردي قراره الخاطيء، بمنع صلاة أحد الركاب على متن الطائرة، ثم أغضُّ الطرف عن المستند القوي الذي يحميها؟

ثم نأتي للخمور على متن القطرية، هذه أيضًا مثل سابقتها، بعض فنادق قطر ومنتجاتها مليئة بالخمور، وهذه بلوى قد عمت كل بلدان العالم الإسلامي بلا استثناء، حتى تلك التي تُظهِر منعها، فلماذا تحاكم الفرع وتعفي الأصل؟

إذن لا داعي لهذه المراوغة، إما أن توجه حملتك مباشرة للقوانين والتشريعات التي تحمي الخطوط القطرية، أو فلتسكت وترتاح وتريحنا معك.

لكل شيء أصول وأدبيات وأساليب وطرق، ومن يتجاوز كل هذه الجسور الموصلة إلى الهدف، لن يتوانى الناس عن التصريح في وجهه: هذه حماقة.

فالحملة الناجحة يجب أن تكون مسلَّحة بأصولها وأساليبها ومنطقيتها، ويبدو أن من يشن هذه الحملات ينطلق أولًا من شعور شخصي، ثم يبني حوله قناعةً شخصيةً، قد يجمع حولها جماعةً قليلةً تشاركه في تلك القناعات.

في مسألة ارتفاع أسعار القطرية، كم نسبة المرتاحين ماليًّا الذين لا تشكّل لهم زيادة بضعة آلاف في سعر التذكرة فارقًا؟

كم نسبة المقتنعين بجودة خدمات القطرية، والتي تستحق عليها ذاك الغلاء؟

كم نسبة الذين يؤمنون بدعم القطرية، لأنها شركتهم الوطنية؟

كم نسبة الذين لم يسمعوا أساسًا عن الحملة، لقصورها الإعلامي؟

كم نسبة غير المهتمين، الذين لم يجدوا في بيانات الحملة ما يقنعهم؟

كم نسبة الذين رأوا تخبط الحملة وعشوائيتها، فما آمنوا بجدواها؟

كل هؤلاء لم يشاركوا أصحاب الحملة في قناعتهم الأساسية: غلاء الأسعار، وقس على ذلك مسألة الخمور.

وبالتالي، فالحملة غير مُجمَع عليها في موضوعها الأساسي، إلا في رؤوس من يقومون بها ويدعمونها فقط، وحتى لو كان مُجمعًا على موضوعها، فإنها لا تملك أية واجهة حقيقية تطلق منها البيانات والإعلانات، وتعقد الاجتماعات، وبها أعضاء معروفون متخصصون في مجالات حملتهم، إلى آخر النواقص المنهجية.

حداثة تجربة المقاطعة عندنا

حملات المقاطعة ظاهرةٌ جديدة على شعبنا القطري والخليجي، لذا أتفهم تعثّر التجارب الجديدة، ولكن هذا لا يمنع من نقدها، وتبيان قصورها وأخطائها للفائدة.

كما أحيي دوافع أصحابها من الغيورين على مصلحة الوطن، والمؤمنين بحق التعبير والنقد، وهو حق أجدني دائمًا أصطف بجانب من ينادي به، لكن كل هذه البواعث النبيلة، لا تعفيني من محاولة وضع الأمور في نصابها، في عملية قد أسميها تجوّزًا: نقد النقد، على غرار تهافت التهافت، وذلك لقناعتي التامة أن الحملات، سياسية كانت أو عسكرية أو إعلامية أو تبشيرية، التي لا تستوفي الشروط، فإنها قد تخرج بنتائج عكسية، تفاقم المشكلة التي شُنَّت من أجلها.

مضطر الآن لترككم، اتصل بي صديقي وهو متملل جدًّا، واقترح عليّ أن نقوم نتمشى قليلًا في كتارا، وبالمرة نسوّي حملة مقاطعة إن كان معنا وقت إضافي.

د. عبدالله السالم
د. عبدالله السالم
شاعر ناقد مدون من قطر

1 تعليق

  1. يقول فريد:

    فصل الخطاب: إذن لا داعي لهذه المراوغة، إما أن توجه حملتك مباشرة للقوانين والتشريعات التي تحمي الخطوط القطرية، أو فلتسكت وترتاح وتريحنا معك.

اترك لي أثرك