ليالي خالدة

ليالي خالدة

ليالي خالدة , قصيرة, قصة, قصص, أدب, الأخلاق

الليلة الأولى

بالرغم من تكرار هذه التجربة إلى حد الإتقان، إلا أنه يشعر بخفقان قلبه المتسارع وارتباك يديه حين المشي!

فلم يعد يعرف أيشبكهما  أم أيرسلهما بجانبه أم يدسهما في جيوب الجاكيت، يالها ورطة ثقة.

لم يكن يريد تولية هذا اللقاء اهتماما أكبر من حجمه، فطالما تعرف على فتاة عن طريق الانترنت وبعد مدة تقصر أو تطول يكون اللقاء المقدر سلفا عبر تسلسل زمني ينتهي به.

أما هل تبدأ هذه الحكايات وتنتهي بالمرور بكل مراحلها ضمن خطة مدروسة نابعة من اللؤم الذكوري أم لا ؟ فلم يكن يكلف نفسه بسبر كل هذه التفاصيل نظريا فهو يثق إلى حد الطمأنينة بشرعية سلوكياته التي آخر ما يعوزها التبرير الفلسفي.

لماذا كل هذا الارتباك إذن؟

إنها مسألة وقت فقط، دقائق ويرى هذه الفتاة التي قضى معها قرابة العام بواسطة المحادثة الكتابية في الإنترنت ثم بالهاتف الدولي دون مشاهدة.

حين ينظر للأمر بموضوعية محايدة لا يحتسب تلك المشاعر التي خالجته كثيرا والتي بثها مرات في حديثهم الهاتفي.

كان يلغي كل هذا ويبقي على خلاصة الموضوع ، لا يعدو الأمر برمته كونه مجرد علاقة هاتفية ربما مرت أحيانا عبر قنوات نفسية مصابة بالتضخم ، إلا أنها كذلك.

علاقة هاتفية تفتقر إلى أساسيات النجاح والجدية، إنهن النساء ينفيننا إلى أقصى أطراف الوهم حينا من الزمن بعبارات رنانة ومواثيق صارمة ومتابعة عاطفية مرهقة وبين عشية وضحاها نجد أنفسنا وحدنا وينجلي الضباب ونكتشف المكيدة، لا ، الأمر لا يستحق كل هذا التحفز، فقط ورطة ثقة وتزول.

دقت ساعة الموعد، الثامنة مساء، مكتبة جرير في السوق، الطابق العلوي، ركن الأدب,

حاول أن يقنع نفسه أنه جاء أصلا لزيارة المكتبة أما مسألة اللقاء فهي مسألة عارضة ، كان ذلك نابعا من عقدة قصية في لاوعيه، عقدة الوهم، أو بالإصح رهاب الوهم، يمقت أن يستغفله أحد أو حتى شيء، لذا فقد صارع نفسه طويلا قبل ذلك وهو في طريق سفره من بلده إلى بلدها أنه لم يأت لأجلها بشكل أساسي، كانت له مهام خاصة في نفس مدينتها وتفرع من ذلك هذا الاتفاق الذي حدداه ليرى كل منهم الآخر، كان يجبر نفسه على الاقتناع بهذا.

لحظات وهو يقلب بعض الكتب والمكان مزدحم بالزوار، وإذا بها تلقي التحية ، رد تحيتها ثم تبادلا كلمات مقتضبة وعبارات مبتورة ثم استأذنته واختفت في سواد الناس.

لم يستغرق الأمر ثوان عدة، وكلما اعتصر ذاكرته لاحقا  محاولا تذكر ما دار في تلك الثواني لا يخرج بشيء، بدا الأمر كأنه حلم ناقص.

الليلة الثانية

أشياء كثيرة تحتاج إلى الترتيب تركها خلفه ومضى.

هذه المرة لم يكن يتملص كثيرا عندما يواجه ذاته، نعم إني أقطع كل هذه المسافة وأجمد كل مسئولياتي الحياتية المرهقة لعدة أيام لأجلها، لقاء لا تتجاوز مدته الساعتين يستحق كل هذه التدابير، أعذار مزورة وسفر ومصاريف إضافية.

ما الذي جعل الأمر بهذه الأهمية؟

ليس هناك مبرر مادي واضح، إنه الإنسان وتعقيداته المركبة، لا شيء يدعو للغرابة أبدا عندما يغير الإنسان قانونه الشخصي في الحياة أو قناعته أو رؤيته للأشياء بعد انتظام دام سنين، فجأة هكذا وإذا به إنسان آخر وبلا مقدمات منطقية أو على الأقل ظاهرة، ربما كان ذلك نتيجة لصراع داخلي قديم.

 لا شك أن أمر هذا اللقاء هام للغاية، لدرجة أنه يواجه نفسه بالاعتراف بسبب هذا السفر، أما تشخيص الحالة من منظور نفسي فتركه لعلماء النفس والمختصين، نحن نتناول كأس الماء عندما نشعر بالعطش ولا نذهب نفتش في أجهزة الجسم ما الذي احتاجه منها على وجه التحديد ولماذا؟

نشرب فحسب..

هكذا كان يعزي نفسه كلما استعصت عليه فلسفة الأحداث وعجز عن فهمها.

في أحد مواقف السيارات التابعة للفندق ركن سيارته المستأجرة وظل بداخلها معلقا بصره على شاشة هاتفه الخلوي، لقد أكدت له أنها في الطريق إليه وستصل في غضون دقائق، صحيح أنه لا يملك أية خطة مسبقة عن مكان اللقاء ومدته وأحداثه، كانا متفقين من دون التصريح بذلك أن الأهم هو اللقاء، عناق النظرات وارتواء اليدين، وحينها لا يهم المكان والزمان وبقية العناصر الشكلية.

أخبرته أنها في المكان وبعد أن تشاورا بشكل سريع اتفقا أن تسمح لصاحبتها بالذهاب فيما تركب معه في سيارته، ولحظات وإذا بها تفتح الباب وتتكوم بجانبه من دون أن تهمس بكلمة ولا ترمقه حتى بنظرة خاطفة، من السهل ملاحظة مدى الارتباك والقلق بداخلها، فرجلاها ترتعدان وأنفاسها تتصاعد وصوتها حين ألقت التحية بدا كأنه أتى من عمق بئر مهجورة.

مضت دقائق حتى استعادت عافيتها النفسية وعجل من ذلك تعاونه الذكي في تجاوز مثل هذه المواقف.

–         غاليتي: أنت أدرى بشعابها، ما المكان المناسب للوقوف بعيدا عن الزحام والفضوليين؟

–         أظننا في الهوى سوا، تبخر كل مافي رأسي، قف عند أول قرطاسية واطلب خريطة المدينة.

ضحكا، وانزاحت سحابة من القلق.

اتجه حسب إرشادها السياحي المتواضع إلى منطقة خالية من العمران، فقط بعض العوائل تهرب إليها من سجن المدينة.

أوقف السيارة بعيدا عن الشارع العام وأدار الراديو على أقرب قناة موسيقية وأشعل الضوء الداخلي وابتدأت الأمسية، أسئلة وأجوبة وأسئلة لا أجوبة لها، نقاشات فلسفية، نوادر، ذكريات، شعر، تقليد شخصيات، بوح، إسقاط للمتاريس الاجتماعية، تصيد للفروقات في اللهجة.

–         غاليتي: بدوتِ أقصر قليلا من المرة الأولى.

–         حقا؟ المفترض أني أطول، لقد مر عام منذ اللقاء الأول.

–         ربما أنت مثل عقارب الساعة تقفزين للأعلى دفعة واحدة في اللحظة الأخيرة من العام، ولم يكتمل العام بعد، وضحكا.

–         يا الله، بل مر عام وشهران، هل تراه وقتا كافيا لـ .. وقلبت يديها بعد أن ضاعت عنها جملتها، كافيا لهذا وأومت بيديها إشارة إليهما أو داخل السيارة أو الموقف كله.

–         العاطفة لا تعترف بالتقنين، وأنا أتساهل كثيرا في أمرها، فمجرد ميلي للشيء أجده مسوغا لطلب تحقيقه.

–         والعقل؟

–         العقل له أدوار أخرى، هناك مواقف تتطلب حضور العقل بدون تدخلي التنظيري، إني حين أحل مسألة حسابية لا أستعمل عاطفتي.

ومرت خمس ساعات كاملة والحديث لا يتوقف.

عندما نظرت للساعة الحادية عشرة شهقت لتأخر الوقت، فسحبت يدها من بين يديه وعدلت من هيئتها وأعادت الشيلة إلى رأسها إيماء منها بالرغبة في العودة.

الليلة الثالثة

–        حبيبي بتصلي؟ طيب خلنا نصلي جماعة!

لم تقلها متندرة، قالتها بعفوية مطلقة وبراءة بيضاء ولم تدرك مرارة التناقض إلا بعدما أن قرأت في وجهه علامات الاستغراب والاعتراض الصامت.

رجل وامرأة لا رباط يجمعهما سوى وشيجة الحب الخارج على القانون يلتقيان خفية في فندق وفي غرفة مريبة واحدة ماذا يفعلان؟ ينوون الصلاة جماعة!

–        لا يا حبيبتي لا يصح، نحن الآن نرجو أن تقبل صلاتنا عنا، لم نعد نطمح لأجر الجماعة، ربما تكون من باب الصلاة في الدار المغصوبة تلك المسألة التي أطال فيها الفقهاء البحث.

الظروف فقط هي التي أرغمتهما على هذا التلبس بثياب الريبة لكنهما كانا طائرين ملائكيين حطا على شجرة آدم.

بالرغم من الإثارة التي يكتنزها ذاك الجسد الجامح، تلك الرمانات البكر وحقول التين وغابات البرتقال كانا يقضيان الساعات الطوال يتناقشان في السياسة مرة وفي المجتمع مرة وفي الأدب أخرى، يختلفان بشدة حول نقطة ما وكل منهما يحتج لما هو مؤمن به والفاصل بين الموضوع والموضوع الآخر لثمة خاثرة أو مداعبة تمحو الخلاف ليبدأ النقاش من جديد، لم يجتمعا لإراقة الجسد بطريقة استهلاكية ليفترقا، كانت أمسيتهما صالون ثقافي وجنسي في آن.

–      أميرتي، هذا البرنامج ” سري للغاية ” أنتظره  من أسبوع، تعالي هنا افترشي ذراعي ولنتابع البرنامج سويا، كانا يتابعانه بانتباه لكنهما يتحينان المذيع يعلن عن الفاصل الإعلاني ليتمازجا بسرعة ثم يعودان  للشاشة.

تتقاطع الأفكار في رأسه وتتوازى، أشياء كثيرة غير قابلة للمنطق، وأشياء أخرى منطقية لكنها متناثرة وغير مرتبة، الطهر، الإثم، الرخص، الصدق، المجتمع، وعشرات المفاهيم المتزاحمة بلا نسق فلسفي واضح، كان من الأصعب عليه أن تتوارد هذه الخواطر والأفكار بفوضوية مزعجة.

بإمكاننا احتواء بعض المشكلات مهما كبرت فقط حين نستطيع النظر إليها من الخارج، التفلت من حدود الحدث والرؤية بشكل عمودي، بينما نفقد السيطرة عند بعض المشكلات الصغيرة التي تستعصي على التشخيص المنطقي، نضرب بأيدينا ورجلينا في كل اتجاه كمن لا يحسن السباحة.

من نحن؟ مجرد فاجرين أغلقا على نفسيهما بوابة الخطيئة؟

أين تلك الشعارات الأخلاقية المدعاة؟

نحن إذن كالبقية الذين طالما اتهمناهم بالنقص والسطحية!

أم لا زلنا نحافظ على بقية من التميز، هل الخطأ قابل للقسمة والتراتبية أم هو الخطأ كيفما كان؟

–         رأسي يؤلمني يا حبيبتي، ربما بسبب أرق البارحة.

–         سلامتك حبيبي، أدلك رأسك؟

وبيدين حانيتين أخذت تمسد جبينه من الأمام حتى شحمة الأذن، تفعل ذلك بجدية تامة وعطف.

أفرغ رأسه تماما من كل المقدمات المغلوطة وأعاد النظر، وأصابعها النحيلة تمرّ من فوق عينيه جيئة وذهابا، شعر بدفء روحه تنساب في مفاصله، الطمأنينة السابغة على الأوهام والمخاوف والعقل المجرد.

راقبها من حيث لا تشعر وهي تواصل دلكها لجبينه وآمن في لحظة صفاء:

أنها أمنية العمر الأخيرة.

1/5/2004
طبربور
عبدالله السالم
عبدالله السالم
شاعر ناقد مدون من قطر

اترك لي أثرك