عناق مقدس

عناق مقدس

منذ اكتحلت عيناها بنور الحياة وهي تفترش ذات الرصيف المليء بالناس والضجيج وفتات الطعام في أحد الشوارع المنحدرة على باب الشبيكة، لا تذكر من وجه أبيها سوى بعض الملامح حين حملته سيارة الإسعاف قبل سبع سنين ولم يرجع بعدها، كان هو أول وآخر من لها في هذا العالم كله.

في مساء باهت امتدادا لكل المساءات التي قبله كان أحدهم واقفا على ذات الرصيف ينتظر أصحابه العائدين من صلاة التراويح، وحين طال به الانتظار سحب كرسيا خشبيا من المطعم الذي يقف تحت لافتته وألقى بنفسه عليه.

شيء صغير هامشي في الجهة المقابلة، لم يشده كثيرا هذا المنظر، فرؤية متسول صغير يفترش الرصيف في إحدى طرقات الحرم شيء مألوف لديه، إلا أنه سرعان ما انتبه إلى تلك الأشياء الصغيرة، عقود رخيصة ، مسابيح، خرز، علب حناء، كان بطبيعته شديد التأمل لذا استوقفه ذلك المنظر الأخير وبدأ يلاعب نفسه لعبة التساؤلات الأحادية الطرف:

هذه الفتاة الصغيرة لماذا لا تمد يد السؤال كالبقية؟
ما الذي يدفعها للاكتفاء بالترويج الصامت لهذه البضاعة الكاسدة؟
من أي بلد هذه الفتاة الصغيرة البيضاء؟
أين أهلها؟

وبينما كان يحدث نفسه بالاقتراب منها وطرح هذه التساؤلات عليها كان أحد أصحابه يقف على رأسه:
أين أنت يا رجل؟ هل تقصد الاختباء عنا هنا؟
صاده ما صاده .. صاده ..

أنهى كل ما في رأسه بابتسامة صغيرة في وجه صاحبه وقام معه.

من الغد كان يقف في نفس المكان، وكانت هي على حالها البارحة، وجه صغير منطفيء ملفوف حوله حجاب رمادي متهدل، ربما كان لونه الأصلي أبيض، عينان شاحبتان مطرقتان إلى لأرض، ذراعان هزيلان مسبلان على تلقائيتهما وقد تعرى أحدهما فبدا أبيض لطيفا.

عزم هذه المرة أن يثأر لحيرة ليلة البارحة فتقدم حتى وقف على مقربة منها:

–          السلام عليكم

–         ………….

–          بكم هذا العقد؟

–          “خمسا ريال “

–          آخذه بأربعة ؟

–           “خمسا ريال”

–           لا بأس، خمسا ريال.

ناولها الخمس ريالات وأخذ يقلب العقد في يديه، لا حاجة له فيه ولم يأتِ لشراء شيء أصلا، فاقترب منها وهمس:
خذيه، هو هدية لك.

قال ذلك بتوجس وجعل يتأمل وجهها الذي أخذ يتلون ويكسوه الارتياب والوجل.

هدية! هدية!

لم توجه لها هذه الكلمة منذ خلقت!

للغة في ذاكرتها معجم متواضع جدا، بعض عبارات في مجال بضاعتها الزهيدة أو تلقفتها من الشارع الذي تسكنه طوال اليوم.

هي الآن في شتائها الثالث عشر لكنها تبدو كأم عشر سنين لضآلة جسمها وضعفها وسوء تغذيتها.

ثلاثة عشر عاما لم توجه لها كلمة خاصة على أنها إنسان ذو وجود معتبر، كل العابرين الذين يقفون عندها للحظات ولا حتى يرفعون إليها أبصارهم يتحدثون بلغة مختصرة جدا أو يلجأون للإشارات ، يقضون حاجتهم ويمضون.

ثلاثة عشر عاما من التجاهل التام باتفاق جميع زوار ذلك المكان وساكنيه، حتى والدها حين كان حيا لم يكن يعني لها الشيء الكثير، فقد كان يغيب الأسبوعين والثلاثة ثم يعود ليجمع حصيلتها لتلك المدة ثم يعاود الغياب الذي لا تعرف أين ولا يهمها أن تعرف.

ثلاثة عشر عاما من التهميش والصمت والجفاف ويأتي هذا الغريب الآن بلا توطئة أو مقدمات ليفجر في صمتها المزمن “هذه هدية لك”!

رفعت عينيها ببطء إلى ذلك الشيء الذي لم تستوعبه حتى تلك اللحظة، كان وجها باسما ينظر إليها بتفحص وانتظار، مدت يدا صغيرة ترتجف وأخذت العقد ثم أسدلت عينيها للأسفل، أما هو فازداد حيرة ودهشة، إذ لم يتوقع كل هذا الخوف والحذر والصعوبة في التعامل من هذا المخلوق المعجون بالحاجة والعوز، لكنه سرعان ما أشعل في عتمة الصمت سؤلا مباغتا:

–          من أين أنت؟

–          كردية، قالتها بوهن.

–          أين أهلك؟

–          ما عندي

–          أين تسكنين ؟

فأشارت إلى جهة قريبة علم لاحقا أنها أحد الزقاق التي تهبط إلى الحرم من البيوت الطينية العتيقة في الأعلى ويتحول مساء إلى ملجأ للعجائز والمعوزين والمفقودين.

ثم جعل يسألها عن اسمها وعمرها وعن الحناء وسعر الشراء ومن أين تأتي به وهل سبق لها أن جربت حناها في يديها وهل ساعدها أحد في ذلك حتى انتهى إلى هذا السؤال من سبيل المداعبة:

هل تسمحين لي يا سارة أن أتعلم فيك النقش بالحناء؟
فظفر منها بابتسامة بديعة جدا، وحينئذ شعر في داخله بالغبطة والجذل لأنه استطاع أن يرسم على هذا الوجه البائس ابتسامة صادقة.

أما هي فكانت تعيش لحظات لم تسبق لها من قبل، تسبح في عوالم أخرى، كأنها في حلم أو إغماءة.

هذا الزائر الغريب فجّر في داخلها ينابيع الحياة لأول مرة، تذكرت وجه أبيها، حنّت إليه، تمنت لو يعود لترتمي الآن في أحضانه بقوة، وبدأت تستطيع أن تنظر في وجه هذا الذي يحدثها وتستمع بذلك.

مرت لحظات صمت قصيرة أرادتها ألا تطول لما وجدته من متعة الحديث بهذا الشكل لذا سألته بتلقائية:

–          أيش اسمك؟

–          أيش تتوقعين ؟

–          أحمد؟ مثل أبي..

–          لا، اسمي سارة مثلك، وانفتل ضاحكا

فضحكت بعذوبة وبهجة، حيث كانت تجد شهوة عارمة للضحك منذ دقائق، أولا لما هي فيه من حالة باذخة الحس والغرابة معا وثانيا للدعابة التي أطلقها هذا الرجل اللطيف.

وقف ليتهيأ للحاق بأصحابه الذين مروا منذ برهة ولم يلحظوه، وبحركة خفيفة دس في يدها ورقة من فئة 100 ريال وودعها ومضى.

فيما بقيت معلقة عينيها في شخصه الذي أخذ ينزح شيئا فشيئا حتى تماهي في الزحام.

أعادت عينيها بحسرة أليمة لتقع على الخردة إياها، جذوة الألم التي لا تخبو، مسابيح وعلب حناء وخرز وتاريخ من الفقر والمعاناة.

ثلاث ليال مرت كثلاث سنوات وسارة لا تنظر إلا إلى تلك الجهة التي انطفأ فيها الحلم آخر مرة ولم يرجع ، وحين ملأها اليأس بدأت تشعر بالسعير يدب في أوصالها ويجري في دمها، غصة في الخلق كوخز السم لا تزول، تريد أن تبكي بأعلى صوتها تريد أن تتقيأ تريد أن تضطجع، تيقنت أن كل شيء عاد إلى حاله الأول، الظلام المرعب، اليأس، الحياة الفراغ، وأن عود الثقاب الذي أنار ظلمتها المتراكمة منذ سنين خبا لآخر مرة وبلا عودة، لا تشعر الآن إلا بالتلاشي والتلاشي فقط.

حتى الأصوات من حولها غارت تماما، لم تعد تسمع شيئا ولا ترى شيئا سوى الظلام فقط، وفجأة وإذا بيد تتدلى على عاتقها بورقة نقدية من فئة 100 ريال.

انتفضت بقوة كالمجذوب وشهقت شهقة كادت تخرج روحها معها، وبحركة خفيفة كإقلاعة عصفور كانت منتصبة على قدميها، ضحكت لثوان ثم أجهشت في البكاء والتوت على خصره تنحب بفزع وتردد:

خذني معك.. خذني معك.. الله يخليك.. لا تتركني خذني معك تنشج بذلك بصوت مرتفع.

أما هو فتسمر في مكانه بكل ذهول وارتباك، فالموقف لفت الأنظار إليه من كل مكان بمن في ذلك أصحابه الذين وقفوا واجمين بكل حيرة واستهجان ونظراتهم تقول:

ما شأنه وهذه الفتاة الصغيرة البائسة التي تعانقه أمام الخلق وفي جوار بيت الله الحرام! وعلق أحدهم هازئا: إنه عناق مقدس .

عناق مقدس : قص عبدالله السالم

عبدالله السالم
عبدالله السالم
شاعر ناقد مدون من قطر

اترك لي أثرك