لص العيد

لص العيد قصة قصيرة عبدالله السالم

لص العيد , قصة قصيرة

ذات مساء مجنون:

لم يكن يطمح في أكثر من أن يسترق بعض الخطوات المرتجفة بين شجيرات تلك الحديقة وأزهارها ليتفقد مواطئ أقدامهما في المرة الأخيرة التي دعته فيها، الوريدات الخجلى، الفواكه المتساقطة بجانب مقاعد الاستراحة التي شربا عليها القهوة، فاكهة الصيف، فاكهة الخريف، فاكهة المعان!

ثم إنه العيد، أليس من الواجب أن يتعايد الأحبة؟ ولربما تمكن من دس بطاقة معايدة بين بعض الأغصان المتدلية، الأسباب تتظافر للقيام بذلك، لكنه حين يعلم في قرارة نفسه أن ذلك يحتاج إلى مزيد من الجسارة والجنون العشوائي والمغامرة، فالقصر مزروع بالعيون والحراس والهيبة، قرر أن يتسلل من أوسع أبوابه لعل ذلك يسهم قليلا في تخفيف صفة التسلل.

الليل مكسوٌ بالسكون وهدأة السَحَر، والشوارع شبه خالية بطريقة تزيد الهاجس في داخله: أنه تحت النظر، وأن جميع من في الأرض يعلمون في تلك اللحظة إلى أين هو ذاهب الآن وماذا ينوي، كان يخالجه أحيانا هذا الهاجس لكن سرعان ما يتغلب عليه ويمضي يكمل شأنه.

أغرته كثرة السيارات الهامدة على جانب أحد الممرات السكنية فدس سيارته بينها كواحدة مألوفة، واتجه مباشرة إلى البوابة الرسمية بعد أن أدار عينيه بحذر في كل أرجاء الشارع.

كان خفيف الخطو كقط وثاقب النظرة كصقر، يطوي المسافة طيا حتى بلغ البوابة المعنية، وليته ما بلغها، كان في ظنه أنها ستكون مشرعة تماما، وعلى أسوأ التقديرات سيجد الحارس مستيقظا، لكنه بأسلوبه الخاص كالعادة سيتخلص منه بطريقة خفيفة اليد والظل، أو في الاحتمال الآخر سيجدها مقفلة لكنه سيكتشف سبيلا للدخول أما عن طريق فرخة الباب أو سيجد الأقفال ليست محكمة جدا بل وضع بعضها فقط للخدعة.

بعد تفحص سريع وأكيد أيقن أن البوابة محكمة الإيصاد، وأن عليه أن يبحث عن طريقة أخرى أكثر جنونا وخطرا وعشوائية، فراح يكمل طريقه ملاصقا للسور المتين عاقدا يديه خلف ظهره ويمشي بروية وبخطى ثقيلة متعوجة وكأنه من أفراد القصر يتجول قريبا في مهمة خاصة.

سار على هذه الهيئة حتى أنهى الجهة المكشوفة للشارع والأضواء من السور، لذا مجرد ما بلغ الزاوية وانعطف به السور نحو الجهة المفتوحة على العراء والأرض الخالية من المباني غيّر سريعا مشيته وطريقتها وحث في السير على هيئته الأولى من الترقب والخوف والبحث عن سبيل.

كان هدفه الأول والأخير بلوغ الحديقة الموعودة، كان هدفا غالٍ جدا بالنسبة له، ولذا لم يلتفت أبدا لما يعارضه من تلك الخواطر التي تخالجه بين الفينة والفينة، مواضع الريبة، الاستخاف بالنفس وبالسمعة، الرهان على النجاة، احترام الذات.

ومضات تلسع في داخله كل قليل، كيف ذا وهو ابن الرجال الأبعد عما يشين، وحين ينتسب المرء إلى عشيرة يكون أبعد عن النقيصة من غيره، لكنه سرعان ما يبدد ذلك كله بـ:

فقالت: سباك الله إنك فاضحي

ألست ترى السمار والناس أحوالي؟

فقلت: يمين الله أبرح قاعدا

ولو قطعوا رأسي لديكِ وأوصالي!

– هذا الأمير الشاعر الفارس سبقني إلى هذا…

قالها لنفسه سرا يهدئ بها من روعه.

والسور طويل أو يطول وما استجد شيء بعد، هل سأقضي هذا المساء المفعم بالشوق والعزيمة والتمرد أحوم حول هذا السور المكتنز بالصد والقطيعة؟

جال هذا في خاطره ولربما همهم به، لا يتذكر.

وفجأة، التمع في عينيه باب باهت صغير لا يكاد يلفت النظر، خاصة وهو مدفون بين النباتات التي تنامت سهوا على جانب الساقي المهمل، تحسسه بيديه جيدا، إنه باب مستعمل لكنه مقفل هو الآخر، ويبدو أنه من جهة الخدم والعمال، وهذا بلا شك أفضل، ما الرأي الآن؟

لابد من تسوّره، لا بد من تسوره!

أقنع نفسه بسهوله وراح يمد يديه بحذر للعوارض الحديدية التي كانت تغلق ما فوق حافة الباب العليا، بدت له كأنها وُضعت ليتمسك بها من أراد التسلل ليلا، وحين وجد مقابض ليديه رفع جسمه معتمدا على ساعدين فتيين مرتعشين، شيئا فشيئا ففارقت رجلاه سطح الأرض للأعلى حتى تمكن بهدوء تام من التلصص على ما يحجبه السور.

ممر ضيق يتعرج بين غرف كثيرة مخصصة للخدم، وفي الأعلى باب من البلاستيك الشفاف أو الزجاج الخشبي مضاء بلون أزرق غريب كأنه منفذ إلى حدود القصر، وفي الأدنى تنام بشيء من التبجيل سيارة قاتمة اللون، ربما حمراء غامقة من النوع الفاخر، حدث نفسه أنها ” الروز ” الذي دعي مرة عليه.

كل هذا ولا ذكر للحديقة، ولا السبيل إليها!

يا ترى أمن العقل أن أقفز إلى الداخل في هذه المتاهة من الحجيرات المتشابهة فأكون قبيض الخدم؟

ليس من العقل؟

من العقل، ليس من العقل، من العقل، ليس من العقل، ليس من العقل، ليس من العقل أبدا!

فهبط شيئا فشيئا كما صعد، بشعور الإخفاق والفشل والأمل!

الأمل؟ من أين انبثق هذا بالله عليه؟

ربما من انحسار تلك المسافة الكالحة بين الحلم والحقيقة، هذه أحلامه يتحسس بيده بعض ملامحها.

يرجع للوراء خطوتين أو ثلاث عن عتبة الباب الشحيح ثم يكمل سيره بمحاذاة السور، حتى استوضحت عيناه تلك البوابة العتيقة الصدئة، فيسرع يتحسسها ويبحث في مزاليجها عن بصيص انفراج ولو يسير، الجوانب / ملتقى الصفقتين / الأعالي / الأرضية كلها تتراص في وجهه بطريقة تهزأ بضعفه ويأسه حيالها.

ما الرأي الآن؟

يا ربي لمَ لم تخلقني قطا نحيلا مولودا في شقوق “طوفة”؟

– أستغفر الله العظيم، أحمدك يا رب أن فضلتني بإنسانيتي على سائر المخلوقات، أحمدك يا رب!

– ولو، ليتني أتحول لساعة فقط إلى قط.

ويقطع هذا الجدل بما تبقى لديه من الخطة، فيخرج بطاقة معايدة دسها تحت طرف لباسه الرياضي حينما نزل من السيارة تحسبا لمثل هذه الأوضاع مكتوب عليها بخط أحمر رقيق:

 “فقط لتعلمي أنك شيء آخر ! “.

تعمد أن تكون رسالة مشفرة جدا فيما لو وقعت في يد أحد، ثم يتكئ على ركبتيه ويديه ويلصق رأسه بالأرض ليرى مما تجود به حافة البوابة السفلى ماذا هناك.

عجلات سيارة قديمة جدا تتربع كحارس أمين على مدخل البوابة ولا شيء غير ذلك، أو هذا ما استطاع أن يراه، فيمد يده بالبطاقة في حسرة وتألم ويلقيها برفق تحت أربع هذا الحارس الجامد لا لأحد، فقط ليطمئن قلبه.

ثم يقوم ينفض عن راحتيه وركبتيه الغبار وبلل الحلم ويتوجه إلى كومة السيارات المتزاحمة تلك ليختار من بينها واحدته.

.

.

.

عام مضى  ..
وهو لا يفتأ يعرض في حديثه هنا وهناك أن لص العيد قد تجرأ مستغلا بهارج العيد وترك بطاقة معايدة في المكان الفلاني عل الخبر يصل إلى أهله.

طالما كان يبتسم بينه وبينه كلما تخيل أن هناك من سمع الخبر وراح يبحث عن حقيقته، يفتش عن بطاقة معايدة مرمية بجانب أحد الجدران العتيقة، وكان يضيف في مخيلته صورة لأحدهم يجد البطاقة ويقلبها طويلا ثم يضمها إلى صدره ووجهه، ويحفظها عنده كأغلى هدية.

كان يتطرف في تكملة هذه الخيال بافتراض تفاصيل دقيقة، مثلا : كان يداعب نفسه بلعبة الافتراضات، يا ترى هل بروازها فضي أم ذهبي؟ هل هي منصوبة على حافة السرير أم مخبأة في درج الدولاب الأسفل؟ كم مرة في اليوم تعاد قراءتها؟ إلى آخر هذا الاسترسال الحالم..

في عيد العام القابل
كان متحمسا جدا لتكرار تلك المغامرة، ربما انفتح باب بعده، ربما وجد في عرض ذلك الجدار فتحة متواطئة، ربما يجد رداً ترك له، ربما .. حتى بدون الربما هذه فإن الأمر يستحق تكرار المغامرة في حد ذاتها.

كان هذه المرة أشد جرأة وشوقا، لذا توجه رأسا لذلك الباب الأخير الذي أرسل من تحته بطاقة العام الماضي ليضع بطاقته الجديدة ومن ثم يبدأ في جس الطريق للتسلل إلى القصر، وبسرعة لم يتوقعها وصل الباب وبدون أن يلتفت لمراقبة الوضع حوله انحنى وركبتيه تلتصق بالأرض، هذه المرة أراد أن يتأكد من وضع البطاقة بطريقة واضحة لمن ينتظرها، لم يشأ إرهاقه في البحث عنها كما فعل في العام الماضي..

ومد يده بروية من أسفل الباب

ثمة ما لامس يده

تفحصه بأصابعه

وانتشله ببطء

كانت بطاقة معايدة مكتوب عليها بخط أحمر باهت مال إلى البرتقالي وانمحت بعض نقاطه:

 ” فقط لتعلمي أنك شيء آخر ! “.

4/4/2002
الدوحة

 

عبدالله السالم
عبدالله السالم
شاعر ناقد مدون من قطر

اترك لي أثرك