جارتنا الفاضلة

جارتنا الفاضلة

جارتنا الفاضلة ,جارتنا , النافذة , المسجد

 هذا الصباح أشعر بنشاط كفيل بإيقاظ الحي بأكمله، لماذا يحرم الكسالى أنفسهم من هذه الساعات المقدسة؟

جال هذا في نفسي وأنا أنسى أو أتناسى طيلة الأسبوع الذي مضى حين كنت أنطفيء قبيل الفجر أو بعده مباشرة.

كنت مستمتعا إلى حد الجذل بالهدوء المطبق على الكون كله، الأرض كلها خاشعة في ساعات النبض الأولى، ليس ثمة صوت يشغلني، سوى ما يتبادر إلى سمعي متقطعا من مشاجاة طائرين صباحيين.

وأنا أسكب القهوة في الدلة أسكرتني رائحة الهيل، أظنني اليوم بالغت في كميته نكاية بقهوتهم هنا التي تفتقر تماما لنكهة الهيل الزكية، أشعلت بخورا من خشب العود الكمبودي الفاخر، راقبته يتصاعد في أعمدة رأسية.

شعور بالامتلاء اللذيذ، كأني أستيقظت اليوم مبتسما، والحق أني أشعر بهذا كل مرة أصلي فيها الفجر في المسجد، حين كنت عائدا اليوم من المسجد والهواء البارد يلسع وجهي، أحسست بلذة الإلم الطفيف والجلَد والرهان مع الذات، شيء من ماسوشية المجاهدة.

أشرعت الشبابيك لحزم الضوء البكر والهواء الجديد، وأدرت الإسطوانة التي أحبها منذ أمد، محمد رفعت ذاك الصوت الملائكي الذي كان يتزاحم لسماعه حتى كبار الموسيقيين والأدباء.

كان صوته ينتشر ببطء في زوايا المنزل التي لم يصلها النور بعد، يتدرج في سلم موسيقي بدءا من الصول المقام أو قبله حتى، إلى أن يصل إلى أعلى مراتب السلم الرفيعة.

وحده من يستطيع بجدارة إيصال المعاني السامية إلى شغاف قلبي المتعبة، ينسل برفق وبخط مستقيم باتجاه الروح.

كان يتلو: “إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا” ساءلت نفسي طويلا هل أنا أرجو؟ شيء ما احتواني بخشوع مبجل.

كنت أرتشف الفنجان تلو الآخر وأنا أذرع أرجاء المنزل، أعيد ملعقة لأخواتها في الخزانة، أسوي طرف سجادة، أبحث عن أي شيء أريق عليه بعضا من فائض النشاط الصباحي.

بعد أن عبأت رأسي بالبنّ المركز رحت لأطمئن على بناتي، شجيراتي هناك في الحديقة، تفقدتهن واحدة واحدة ثم وقفت مواجها للشمس التي نهضت من فوق الأسوار وأسطح المباني المجاورة.

سرى الدفء في جسدي، أحسست به تحت جلدي وفي مساماتي، وفجأة وإذا بصوت نافذة تفتح بهدوء ، قلت في سري متمنيا:

كوني جارتنا فكانت، ويداها الناحلتان تحيط بابنها الرضيع بحنو، التفت لي ككل مرة بابتسامة نقية وبدوري أجبتها:

صباح الخير يا جاري، أنت في دارك وأنا في داري، فأشارت بيدها وهي تحافظ على ابتسامتها: أن صباح النور ثم مالت عن النافذة، كنت مؤمنا أن هذه المرأة بظهورها  واختفائها السريعين هكذا من الأشياء الجميلة التي تحدث لي في يومي.

عدت مسرعا للداخل وفتحت أحد أدراج المكتب ثم رجعت حيثما كنت أقف في الحديقة، لكني وجدتها قد أغلقت النافذة،

همهمت لنفسي: أيتها الفاضلة.

القصة المرتبطة: جارتنا الفاجرة

عبدالله السالم
عبدالله السالم
شاعر ناقد مدون من قطر

اترك لي أثرك