السلطة الرابعة في السعودية الرابعة

السلطة الرابعة في السعودية الرابعة

عمل: عجلان غارم

يسيل لعاب المخالفين للتوجه الحكومي للدولة السعودية الرابعة لعبارات مثل: “لعنة الإعلام على السعودية”، “الطغيان على الذات في السعودية الجديدة ” .. إلخ، ويهيج المتضررون من قرارات الدولة السعودية الرابعة الجديدة العظمى الشامخة فوق كل العظماااااااااء يهيجون ابتهاجاً حاملين هذه العبارات وقائليها على شرايين القلوب قبل الأكتاف.
والحقيقة أن ما أكتبه ليس موجهاً لهذه الفئات من القراء والمؤججين -وإن كنت قد أُعدّ منهم خارج إطار الكتابة – أما الآن فإني أجتهد اجتهاداً حاداً في تلبُّس الموضوعية و تلمُّسها ما أتيح لي، وأنبه فقط إلى توجه السلطة الرابعة في السعودية الجديدة.

بعد تخطيك لهذه الشروط عزيزي/تي القارئ/ة:

يمكنك أن تعدد لي استباقاً أذرع أخطبوط السلطة الرابعة من القنوات السعودية الترفيهية والعربية اللاإخبارية و شلة الإعلام الرسمي بدءاً من الرصين وحتى سعودي أربعة و عشرين.

والحقيقة الأخرى أني لم آتِ لأعددها لك وأرغِّب في مقاطعتها وأقارع محتواها كمنصات.

هنا أنظر معك من فوق تلةٍ بعيدة وبمنظارٍ مُجرّب لدى غيرنا لماهية الإعلام ومآلات جهده الجبار عليك وعلي لا على متابعيه المستسلمين.

قبل أن نصل لذلك يتوجب علينا أن ننظر معاً لصانع هذا الإعلام -الصانع الظاهر لنا -من يكون؟ ماهي عقيدته؟ كيف يستخدم الإسلام وكيف يخدمه؟

هاجس الدولة السعودية الرابعة

ابتداءً سنجد أننا أمام هيكل لنظامٍ حاكمٍ يشبه كثيراً توصيف مفتي الديار المصرية لمحمد علي باشا في القرن الماضي:

” دينه الإسلام.. يحكم بلداً عربياً صيّره بلداً حديثاً “.

بل في حالتنا هنا نظام يحكم بلد الرسالة المحمدية ويشهر اتّباعه للمذهب الحنبلي على نهج حركة محمد بن عبد الوهاب ويُحسِّن نهجها ويهذب مظهرها مع مرور الوقت ما أمكن، لكن تجليات هذا المذهب تختفي تماماً من وجه هذا النظام في مؤسساته وعلى مكتسباته.

و يصل هذا الاختفاء ذروته في جميع المنصات الإعلامية المصنوعة سعودياً أو بمالٍ سعودي.

و هذا الانفصام عاد بالسلب والتهشيم على العمق النفسي والارتباط المقدس -إن صحت التسمية- مع هذه الدولة كنظام يدير بلد المقدسات ومهد الرسالة، وهناك لابد مضار أخرى سنبحر فيها لاحقاً.

هذا كله على عكس ما كان مُقرِّر هذه الهيكلة الشاذة يطمح الوصول إليه من صورة مشكّلة معجونة تظهره بأنه صاحب توجهات عصرية إسلامية متزنة تتفسح في المباح وتسبح في حدود المحرم بسلمية دون أن تنقض أركان الإسلام أو تستفزك بمعاداته كدين، بل تستخدم اسمه وقدسيته لتواكب العالم الحداثي وتنافسه بنموذجها المتوازن المعجون.

وهذا ما فيه أصلاً نقض مخيف لمفهوم سلطان الشريعة على الفرد والسلطة والعلماء وسائر مكونات المجتمع .

حين نقول أن توصيف محمد عبده لمحمد باشا يقاس به كثير من جوانب حالتنا فإن هذا دقيق لحد بعيد لتشابه الرؤى بين النظامين.

فكلاهما مُستنسِخٌ جاهل للتقدم الغربي وراغبٌ نهم في طباعة نموذج الحياة الغربية والتقدم العلمي والتحرر اللاأخلاقي للفرد من حدود العرف والديانة بدعوى تمكين الحرية الشخصية.

والمفارقة أن كل هذا يحصل باستخدام البطش، فلا الحرية طُبّقت ولا الإنسان آمن بهذا التقدم لأنه مسلوب الإرادة مكسور العزيمة مخذولٌ من العدالة.

هذه ليست تهماً للنظام في الدولة السعودية الرابعة بل وقائع يفاخر باستخدامه إياها لتمرير إرادته في الناس.

قال محمد عبده هذا عن نظام ذلك العصر بصيغة نصها:

“ما الذي صنعه محمد علي؟ لم يستطع أن يُحيي ولكن استطاع أن يُميت”، ويستمر بالوصف حتى يصل إلى قوله “وهكذا حتى إذا سحقت الأحزاب القوية، وجّه عنايته إلى رؤساء البيوت الرفيعة، فلم يَدَع فيها رأسا يستقر فيه ضمير “أنا” …واتخذ من المحافظة على الأمن سبيلا لجمع السلاح من الأهلين وتكرر ذلك منه مراراً حتى “فسد بأس الأهلين وزالت ملكة الشجاعة فيهم” وأجهز على ما بقي في البلاد من حياة في أنفس بعض أفرادها فلم يبق في البلاد رأسٌ يعرِّف نفسه حتى خلعه”.

فنرى أن هذا البطش من محمد علي حصل ليمرر صورة الدولة التي أراد بناءها ليس لتكون “متقدمة قوية” بل لتكون “صورة لأوروبا المتقدمة القوية”.

يسند هذا في واقعنا قول الأمير محمد بن سلمان الشهير خلال جلسة في منتدى «مبادرة مستقبل الاستثمار» في الرياض أكتوبر 2018: ” أرى أن الشرق الأوسط سيصبح أوروبا القادمة وهذه حربي وحرب السعوديين معي ولا أريد أن أفارق الحياة حتى يتحقق هذا الهدف ” نفس واثق مثابر وفرض صريح لهذه الإرادة يصل حد الفدائية.

عبثية السلطة الرابعة

ينزل توصيف محمد عبده دقيقاً على واقع جوانبٍ اجتماعية وتنظيمية حالية أخرى، لكن ما يعنينا هنا هو فهم شخصية هذا النظام ومسار خطاه المضطردة لينكشف العبث الذي يكتنف محتوى إعلامه.

الإعلام أو السلطة الرابعة التي لم تضف لدولته الراعية قوة معتبرة في عالم الإعلام المحلي ولا الدولي، ولم يبن قدراً يعتد به من المصداقية، بل في كل أزمة يضرب مصداقية النظام في مقتل، ولم يصنع نفوذاً يعتد به رغم مئات الملايين من المتابعين، حيث تعتاش أغلب هذه المحطات على الجوانب الترفيهية والفنية التي تحصد متابعين يُخلِصون في تسلية أنفسهم عبرها وتدمير هوياتهم فقط.

لكنها في الوقت ذاته لا تعمل على استخدام هذه المساحة من القبول في بناء وعي خاص بها يستوجب كافة نواحي الامتداد الفكري، بل على العكس عملت على تهميش وتهشيم الجانب الفكري لدى المتابع وتحييده في الجوانب المتاحة لعقله العربي.

و ليتها صنعت في ذلك المشاهد ولاءً لها وانتماءً مبنياً على محتواها كمنصات سعودية تمثل دولة قوية صاعدة من الدول العشرين هي الدولة السعودية الرابعة الفتية، بل أبقت هذه المحطات ذاتها مجرد منابر للنحت في القيم لا أكثر، عسى أن تستمرئ عين هذا المشاهد ويقبل عقله طرز حياة الفرد الغربي الكائن في دولة علمانية النظام، مخفين بقية الصورة لذلك الفرد الغربي الذي لديه دعائم تربطه بنظامه، بدءاً من حريته في مساءلة النظام حول كيفية تسييره للبلاد، والنظام الأمني و القضائي الذي يضمن له أمنه وحقوقه، وصولاً للمؤسسات التي تحافظ له على واقع تقدم الاقتصاد والنظام التعليمي والبنية التحتية، و تتيح له المساهمة في ذلك إن كان كفؤاً لذلك.

فيما يفتقد المواطن العربي جل هذا أو كله، فيما هو مطالب أن يشبه في شكله وقشوره ذاك المواطن الغربي الذي يجد حداً معقولاً من الحقوق في دولة مدنية علمانية كما تنص العلمانية.

ويا للمفارقة فإعلام هذا الغربي ليس ملائكياً بل هو مضلل بشكل احترافي يفوق إعلام بلادي الذي تقوم سياسته على تجاهل جميع جوانب الحياة ماعدا الترفيهية منها والسطحية المقيتة.

عبدالله السالم
عبدالله السالم
شاعر ناقد مدون من قطر

اترك لي أثرك